فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 234

أي أن الحوار بين إبراهيم عليه السلام وبين قومه لم يكن محصورًا فيما ذكر، بل كان هناك قدر كبير من الحوار، أعرض القرآن عن ذكره، كانت مًحَصِّلته النهائية إصرار القوم على كفرهم، ومن ثَمَّ ضجره عليه السلام من هذا الإصرار، والذي عبّر عنه بالكلمات المذكورة آنفًا.

2 -وكان ضجره عليه السلام منهم ومما يعبدون، مع أن الأصنام لم تمارس جدالًا معه عليه السلام، فقد كان ضجره منها لما تحتله من مكان في عقول القوم وفي نفوسهم، جعلتهم لا يستسلمون لدعوة الله تعالى. في ظل إرادته عليه السلام إنالة كل أثر لها في نفوسهم، فوقف إصرارهم على فقط تراث آبائهم عائقًا كبيرًا أمام الإيمان بالله الواحد الأحد.

3 -أما كلمة (أف) فتحمل في طياتها إشارتين:

أ- أن قائلها قد بلغ أقصى درجات الاحتمال، فلم تَعُد لديه القدرة على المزيد، فكان في نطقه لها إعلان عن التخلي عن كل مظهر ن مظاهر القضيَّة ...

ب- والإشارة الثانية هي أن إبراهيم عليه السلام لم يكن يملك من مظاهر التعبير عن الضجر سوى أقل ما يمكنه ظهوره من الإنسان، وهو كلمة (أفّ) ، أما الآخرون فإنهم قد يسبّون وقد يضربون ... أو أي شيء من هذا القبيل. وفي ذلك إعلاء لمقام إبراهيم عليه السلام، الذي اتخّذه الله خليلًا، ومن قبل ذلك آتاه رشده.

{أفلا تعقلون} استفهام، يتعجب من خلاله عليه السلام لاستسلامهم لفكرةٍ يرفضها العقل تحت أي صورة من الصور، فكان في استسلامهم لها مؤشّر على أنهم لا يعقلون.

وعند ما عجز القوم عن مجاراته عليه السلام في الحَّجة والمنطق الجئوا إلى القوة التي يملكونها، لإقرار مالم يستطع العقل إقراره، وهو قولهم:

قال تعالى: {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (68) }

روي أنهم حين همُّوا بإحراقه حبسوه، ثمّ بنوا بيتًا بـ (كوثى) [1] وجمعوا، شهرًاُ، أصناف الخشب، ثم أشعلوا نارًا عظيمة، كادت الطير تحترق في الجوّ من وهجها، ووضعوه في المنجنيق مقيدًا مغلولًا،

(1) كوثى: من أرض بابل، و بها مشهد الخليل عليه السلام، و بها مولده، وطرحه في النار

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت