فرموا به فيها، وهو يقول: حسبي الله ونعم الوكيل وقال له جبريل: هل لك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا. قال فسل ربك. فقال حسبي من سؤالي إلى علمه بحالي. وما أحرقت النار إلا وثاقه [1]
ورد الأثر السابق فيما كُتْب من سيرة إبراهيم عليه السلام، ولكنه لم يكن مما جاء منصوصًا عليه في كتاب الله تعالى، ولم يرد فيما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحاديث، ومع ذلك، فسأحاول البحث في نصّ الآية المذكورة عن بعض هذه الدلالات:
{حرقوه} جاء الفعل مضعّفًا، ومن شأن التضعيف في الفعل أن يوحى بإرادتهم البالغة في حرقه عليه السلام، ولا تتحقق المبالغة في ذلك إلا من خلال نار عظيمة غير ما اعتاده الناس، يعبّرون من خلالها عن شدّة غضبهم لآلهتهم التي جرؤ عليها هذا الفتى، فحطّمها.
فإذا كانت النار عظيمة، فإن من يقترب منها لن يحتمل حرارتها، ولكي يتمكنوا من إلقاء إبراهيم عليه السلام في النار بدون أن يكابدوا حرَّها، استخدموا وسيلة تحقّق لهم ذلك بدون أن يتعرّضوا لوهج النار، فكان المنجنيق، وهو سلاح كانوا يستخدمونه قديمًا لهدم الأسوار والقصور، بوضع الحجارة الثقيلة فيه، ومن ثّمَّ قذفها إلى تلك المواقع، فإذا كان المنجنيق يحمل حجرًا ثقيلًا، ويلقي به بعيدًا، فإنه على قذف الإنسان أقدر، ولذلك استخدم في إلقاء إبراهيم 5 في النّار.
قال تعالى: {وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ}
أي: إن كنتم ناصرين آلهتكم نصرًا مؤزرًا، فاختاروا له الإحراق بالنار [2]
قال تعالى: {قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) }
في هذه الكلمات ثلاثة محاور:
1 - {كوني} قال تعالى.
قال تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} ... يس: 82
فأراد جل شأنه أن تكون النار بردًا وسلامًا فكانت، ولم تحرق منه إلا القيد الذي قيدوه بهز
2 - {بردًا وسلامًا} عن ابن عباس رضي الله عنه قال: لو لم يقل (سلامًا) لأهلكته ببردها [3]
(1) تفسير النسفي: الجزء الثالث، ص 128 - 127
(2) تفسير النسفي: الجزء الثالث 127
(3) تفسير النسفي: الجزء الثالث ص 128