ولكن إمعان النظر في جوانب هذه المعجزة ينفي ذلك التأويل، ويهدينا إلى تأويل آخر يبرز من خلال جانبين:
أ- الجانب العقيدي
لقد أراد القوم أن يهلكوا إبراهيم بإلقائه في النار، وأراد الله تعالى له النجاة، فكان مناط تحقيق هذه الإرادة من خلال قوله (بردًا) فهل من المعقول أن ينجيّه الله تعالى من الهلاك بالنار، ليكون هلاكه بالبرد؟!
لذلك جعل ابن عباس رضي الله عنه قوله تعالى (سلامًا) تقييدًا لقدر ذلك البرد، وجعل على ألطف ما يكون، وهو بذلك التأويل يجعل كلمة (سلامًا) مكملة لكلمة (بردًا) .
ولكن هل ترون أن الله تعالى عندما أراد أن تكون النار بردًا، لم يضمِّن تلك الإرادة أن يكون البرد في ألطف صورة على إبراهيم5؟
لقد أراد الله تعالى لإبراهيم النجاة من النار، ولو كانت النجاة محصورة في قوله (بردًا) فقط، لكان البرد على الصورة المرادة، ولما احتاج المقام إلى قوله (وسلامًا) ، لتكون بذلك حشوًا ... لا موضع له في الدلالة وهو الأمر الذي يتعارض مع أصول الاعتقاد في كلام الله تعالى
ب- الجانب العلمي
من شأن الذي يُلْقى في النار أن يعاني من أمرين:
-الحرارة الشديدة
-الاحتراق.
ولذلك كان قوله تعالى (بردًا) نقضاًَ لقانون الحرارة الشديدة فلم يحس إلا بالبرد اللطيف. ولو وقف الأمر عند هذه الكلمة لاحتراق جسد إبراهيم 5 بدون أن يشعر بحرارة النار، ولذلك قال جل شأنه (سلامًا) أي سلامة لجسده 5 من الاحتراق بالنار.
3 -... {على إبراهيم} ... قصر جل شأنه {بردًا وسلامًا} على إبراهيم5، فلم يكن لها أن تتجاوز في هذا الأمر أبانا إبراهيم، فكانت تحرق كل ما فيها، وإبراهيم في قلبها لا يشعر بحرّها، ولا يناله حرقها، حتى أن الوثاق الذي قُيِّد به أكلته النار، بدون أن تتجاوزه إلى متعلقاته5 من ثوب أو رداء.