فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 234

فابتغاء الرزق لا يتيسّر إلا بالعبادة، والرزق يقتضي من العبد أن ربه، وشكر الله تعالى سبيل إلى الزيادة، قال تعالى:

قال تعالى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} إبراهيم: 7

وعلاقة العبد المؤمن بربه غير علاقة الكافر، لأن الله تعالى يرزق الكافر في الدنيا رزقًا واسعًا حتى تكون الحجة عليه أبلغ، ومن ثمّ يكون مستحقًا لأشدّ العذاب. أمّا المؤمن، فإن الله تعالى يجعل للرزق معه منهجًا آخر، ليحقق له غايتين، الأولى: أن يجعله أكثر قربًا إلى الإيمان والتقوى والصلة بالله تعالى، فكانت صلاة الاستسقاء مجلبة للغيث النافع، وكانت صلة الرحم سببًا لاتساع الرزق وطول الأثر ... وغير ذلك. والثانية: أن رزق الدنيا لا يساوي عند الله شيئًا، فالرزق الحقيقي الذي يستحق الطلب، هو أعدّه الله تعالى لعباده المؤمنين في الجنّة، مما لم تره عين، ولم تسمع به أذن، ولم يخطر على قلب بشر.

{إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}

الملاحظ أن هذه الجملة وردت كثيرًا في كتاب الله تعالى بنفس الصيغة، وبصيغ أخرى مقاربة لها وكلها جاءت مسبوقة بحرف العطف، والذي كان في الغالب حرف الواو. ولكنها جاءت في هذا الموضع من غير واو، ولا أظن أبدًا أن الأمر جاء سهوًا ممن كتب، أو خلوًا من مراد لأراده إبراهيم5

ولنا أن نقتبس من أساليب اللغة ما يُغير لنا ذلك:

في أسلوب يُسمى أسلوب التخدير، يُحذف الفعل والفاعل، ويذكر فقط المفعول به. ولأن اللغة ظاهرة إنسانية مرتبط بأحوال الإنسان. فإن ظواهرها ترجمة لهذه الأحوال، فكان الاكتفاء بالمفعول به في أسلوب التحذير فاتحًا عن أنّ الموقف أسرع مما تحتمله الجملة بفعلها وفاعلها ومفعولها، فكانت السرعة في التحذير صدفًاُ مقصودًا، لتجنب سرعة وقوع الخطر القادم.

ولذلك، فإنني أجد في الاستغناء عن حرف العطف في قوله {إليه ترجعون} ، وجعلها متصلة بما قبلها، إشارة من أبي الأنبياء إلى أن الرجوع إلى الله تعالى سريع إلى درجة أنه جاء متزامنًا مع الفترة المتيسرة للإنسان على هذه الأرض،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت