فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 234

وفي ذلك إشارة إلى أن قوله تعالى {كيف بدأ الخلق} يعني به خلق السموات والأرض، وبعد فناء المخلوقات جميعًا

قال تعالى: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29) } الرحمن: 29

يشرع الله تعالى في النشأة الآخرة، على نفس مسار النَّشأة الأولى، ولكن بمواصفات جديدة وفائقة.

{إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) }

في الآية السابقة {إن ذلك على الله يسير} إشارة إلى أن ما يراه البشر من انبثاق الأحياء على الأرض أمرٌ هيِّن ويسير في ظلِّ استعظامهم لما يرونه من مظاهر الحياة، أمَّا النشأة الآخرة فأمر غيبيّ، لا يدرك الإنسان منه شيئًا، فلا وجه للإيمان به سوى الإيمان بأن الله على كل شيءٍ قدير

{يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (21) }

{يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} ... عدلًا وحقًا ... {وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ} فضلًا ومنّة، فلا يعذب أحدًا ... إلا بما ارتكب من ذنوب، وفي ذات الوقت يرحم من يشاء، حتى ولو جاء بقراب الأرض خطايًا

ولو أن أحدًا قال: إذا قدِّم قوله تعالى {وإليه تقلبون} على ما قبلها لكان أنسب، لأن العذاب والرحمة يأتيان بعد الرجوع إليه سبحانه، لقلنا ردًَّا على ذلك: إن بعض المفسرين نظروا إلى هذه الدلالة، فاضطروا إلى أن يقصروا العذاب والرحمة على ما يجده الإنسان في الحياة الدنيا.

ولكننا إذا نظرنا إلى النص من زاوية أخرى لوجدنا أنه لا يحتاج إلى تقديم أو تأخير ولا إلى جعل الرحمة والعذاب في الدنيا دون الآخرة. فقد قال تعالى في الآية إنه على كل شيء قدير به أن ذكر أنه ينشئ النشأة الآخرة، ولكن هذا لا يعني أن قدرته جل شأنه تتجلى فقط في النشأة الآخرة، بل وأيضًا تتجلى في أنه يعذب ويرحم من يشاء في الدنيا والآخرة، وإنه إليه تقلبون، أي أن انقلابكم إليه قانون ثابت لا يستطيع أحد من الخلق أن يخرج عن إطاره، ولا أن يُعْجز الله تعالى عن تحقيقه، أي أن الانقلاب ذُكِر من باب سرّد الحقائق، ولا من باب العلاقة الترتيبية.

{وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ}

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت