فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 234

فما كان جواب قوم إبراهيم5 بعد كل هذا الخطاب الذي يفتح للعقول أبوابًا ترى من خلالها حقائق الخلق والوجود، إلا أن قالوا لبعضهم اقتلوه أو حرقوه.

لم يستطع القوم مجاراة إبراهيم5 في الحجة والمنطق، فلجأوا إلى القوّة، ليضمنوا انتصارهم عليه، فقالوا (اقتلوه أو حرّقوه) والنتيجة في الحالتين واحدة، وهي موت إبراهيم5، ولكنهم اختاروا الحرق لما في الحرق من عذاب ومعاناة، وأرادوها له 5، تعبيرًا عن مدى ما يحملونه من بغض له ولدعوته، وغضب عليه لتحطيمه آلهتهم.

{فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ} ... بقوله للنار

{يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) } الأنبياء: 69

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (24) }

أُكَّدت الجملة بـ {إن، واللام} إشارة إلى أن آية نجاته من النار كانت آية عظيمة، ومعجزة باهرة، لا يملك العقل معها إلا الإيمان بما جاء به صاحب هذه المعجزة. ولكنهم غلبت عليهم الشقاوة، وهيمن عليهم الشيطان، فأغمضوا عيونهم، وأغلقوا قلوبهم أمام ما تستدعيه هذه المعجزة من إيمان.

{لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}

لم يقل (مؤمنون) ، لأن الاسم يفيد الثبات على حالة واحدة، فكان التعبير بالفعل إشارة إلى أن هذه المعجزة من شأنها أن تزيد من قدر الإيمان في قلوب الذين آمنوا، وأن الإيمان لا يأخذ درجة واحدة في قلوب المؤمنين، بل يتفاوت من قلب إلى آخر زيادة ونقصانًا، وهذا هو شأن التعبير بالفعل المضارع، أن يفيد التجدد والاستمرار، بما فيهما من دلالة التردّد بين الضعف والقوة.

{وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}

أي: لتتوادوا بينكم وتتواصلوا، لاجتماعكم على عبادتها، واتقاقكم عليها كما يتفق الناس على مذهب، ذلك سبب تحابهم [1] وليس لأنكم رأيتم منها ما يشير إلى أنها لكم ضرًا أو نفعًا

(1) تفسير النسفي: ج3، 368

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت