{فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89) }
فكانت نتيجة نظره في النجوم أن قال لهم {إني سقيم} ، مما كان منهم إلا أن:
{فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (90) }
إذا اقترن التولي مع الإدبار، وأُسْند إلى شخص، فذلك يعني أنه انصرف عن الشيء خوفًا أو بغضًا، فكان تولي القوم عن إبراهيم 5 لقوله لهم {إني سقيم} ولا منطق لحدوث التولي في هذه الحالة إلا إذا كان السقم {المرض} معديًا ومهلكًا، يخشاه الإنسان على نفسه. ولذلك جاء في كتب التفسير {أن السقم الذي اشتكاه هو الطاعون، وكان من أغلب الأمراض وقوعًا فيهم، وكانوا يخافون العدوى، فتفرّقوا عنه، هربًا منه إلى عيدهم، وتركوه في بيت الأصنام، ليس معه أحد} [1]
{فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (91) }
بعد أن تولّي القوم عنه مدبرين، مال إلى تلك الأصنام، فقال: {ألا تأكلون} ، وهو يعلم أنها لا تأكل، إنما كان سؤاله لها سؤال تهكّم واحتقار، وعند مالم تردّ عليه، واصل تهكمه قائلًا:
{مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (92) }
{فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (93) }
المراوغة: هي انحراف في خفاء. قال الشاعر
يعطيك من طرف اللسان حلاوة
ويروغ منك كما يروغ الثعلب
من ينظر إلى حال إبراهيم 5 في تلك اللحظات يدرك أنه لا بد له، لكي يُحْكم كيده، أن لا يُشْعر القوم بمراده، وأن ينفّذ ما يريد قبل أن ينتبه إليه القوم. فمال إلى الأصنام خفية، ثمّ شرع في تحطيمها واحدًا تلو الآخر، في ظل حرصه الشديد على عدم استفحال صوت التحطيم ...
وأما قوله {باليمين} فقد اخْتُلف في تأويلها:
-ضربًا شديدًا بالقوة، لأن اليمين أقوى الجارحتين وأشدهما.
(1) تفسير النسفي: الجزء الرابع ص 38