2.أما المسار الثاني الذي تحتمله الصياغة فهو أن من دخله تحققت له كينونة جديدة وهي أنه أصبح آمنًا أبدًا سواء أبقى في الحرم أم غادره، وجاء قوله إثر ذلك {ولله على الناس حج البيت} ثمّ جاء قول رسول الله (:
{الحج المبرور ليس له جزاء إلاّ الجنة} مسلم والنسائي وابن ماجه وأحمد
ليخبرنا أن صاحب الحج المبرور سوف ينال، الأمن الحقيقي، وهو نجاته من العذاب يوم القيامة ودخوله غلى الجنة. وأما مجرد الدخول إليه فإنه لا يحقق الأمن لصاحبه، ويشهد على ذلك أن العددين من الذين لجأوا إلى الحرم لم يسلموا من القتل والتعذيب قبل الإسلام وبعده، وهاهو عبدالله بن الزبير يقتله جنود الحجاج بن يوسف الثقفي في الحرم، ويصلبونه وهو الذي بقي نفسه بـ ... {العائذ} ، أي المستعيذ بالحرم من أن يصيبه أحد بمكروه.
ثم إن الأمن في الآية لم تقيده كلمة من الكلمات بالدنيا أو بالآخرة، ما عداه قوله تعالى {ولله على الناس حج البيت} ، ولكن الناس فهموا {آمنًا} من مؤشرين:
1.ما سنّه الله تعالى للناس في كتابه الكريم، إذ جعل الشهور اثني عشر شهرًا، ومنها أربعة حرم، فكان العرب يأمن بعضهم بعضًا في هذه الأشهر
2.المشاهدات التي رأوها من أحوال الحرم، ومن بينها ما ذكرناه قبل قليل في تأويل آيات البيت، وأعظم تلك المشاهدات ما كان من أمر أبرهة الأشرم الذي أهلكه الله تعالى هو وجيشه عن ما أراد هدم البيت الحرام.
ولكن هل هذا هو الأمن الذي أراد جل شأنه لمن دخل إلى بيته الحرام؟
إن الله تعالى عندما يخبرنا بأن الأمن قَدَرٌ لمن دخل بيته المحَّرم، فإنما يسبغ عليه أمنًا من فيض قدرته ورحمته، فإذا فهمنا الأمن بالمعنى الذي تداوله الألوان واللاحقون، فما قَدَرنا الله حقَّ قدره، وهو الذي إذا أعطى جزيلًا بالقدر الذي يشهر له بالعظمة والجلال.
ثمّ إن الأمن في الدنيا ليس شيئًا، ليكون جزاء من الله لمن عظّم بينه، وهل في الدنيا من أمان، وهي التي جعلها الله تعالى دار ابتلاء؟