ثانيًا: الحديث رُوي مرسلًا عن مكحولٍ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ثالثًا: جمهور علماء الحديث قالوا ببطلان العمل بالمراسيل، قاله النووي في التقريب، وهو قول الإمام مسلم رحمه الله تعالى. [أنظر صحيحه 1/ 30] حتى أن الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى قال: «أن التابعي وإن عرف أنه لا يُرسلُ إلاّ عن ثقة، فذهب جمهور المحدّثين إلى التوقف (أي بقبول المرسل) لبقاءِ الاحتمال، (وهو احتمال أنه رواه عن تابعي آخر) وهو أحدُ قولي أحمد ... » ثم قال: «ونقلَ أبو بكرٍ الرازيُّ من الحنفية، وأبو الوليد من المالكية، أن الراويَ إذا كانَ يُرسلُ عن الثقاتِ وغيرهم لا يُقبل مرسَله اتِّفاقًا» . [انظر النُّكت على نزهة النظر صـ111] وقال الإمام الاسفراييني: «إذا قال التابعي"قال رسول الله"فلا يُعدُّ شيئًا ولا يقع به ترجيح فضلًا عن الاحتجاج به» . [النكت للحافظ العسقلاني 2/ 545] .
رابعًا: أن الإمام أبا حنيفة وصاحبه الإمام محمد الشيباني رحمهما الله، أجازا للمسلم أخذ الدرهم بدرهمين، ولم يجيزا أن يدفع المسلم الدرهم درهمين.
ثم إن جمهور العلماء بما فيهم بعض الأحناف كالقاضي أبي يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة رحمهما الله تعالى، قد أبطلوا هذه الفتوى والعمل بها، قال الإمام الأوزاعي رحمه الله تعالى معقبًا على فتوى الإمام أبي حنيفة: «الربا عليه حرام (أي على المسلم) في أرض الحرب وغيرها، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد وضع من ربا أهل الجاهلية ما أدركه الإسلام من ذلك، وكان أول ربا وضعه ربا عمه العباس بن عبد المطلب - رضي الله عنه -» . إلى أن قال: «وقد كان المسلم يبايع الكافر في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا يستحل ذلك» [انظر كتاب الأم للشافعي 7/ 358 - 359] . ولقد بلغ أبو يوسف رحمه الله تعالى غاية الإنصاف حين خالف ما ذهب إليه أستاذه أبو حنيفة رحمه الله تعالى ووافق الإمام الأوزاعي قائلًا: «القول ما قال الأوزاعي، لا يحل هذا ولا يجوز» . [نفس المصدر صـ359] ولكنّ أبا يوسف رحمه الله تعالى التمس العذر لأستاذه وقال أن: «أبو حنيفة أحل هذا لأن بعض المشيخة حدثنا عن مكحول ... » وذكر القول السابق.
فتعقبه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى فقال: «القول كما قال الأوزاعي، وأبو يوسف والحجة كما احتج الأوزاعي، وما احتج به أبو يوسف لأبي حنيفة (أي بقول مكحولٍ السابق) ليس بثابت فلا حجة فيه» [نفس المصدر صـ359] .
فالإمام الشافعي رحمه الله تعالى، أراد بقوله هذا منع الاحتجاج بهذه الرواية في إباحة الربا بعد أن جاء الإسلام بتحريمه تحريمًا قاطعًا، ثم إن رجوع الإمام أبي يوسف عن فتوى أستاذه، دليلٌ على عدم صحة رواية مكحولٍ هذه، وإلا لما أجاز لنفسه رحمه الله تعالى الرجوع عن قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى قول الإمام الأوزاعي لو صح عنده هذا الحديث، إذ لا يجوز تقديم قول أحد على قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ثم إن مذهب الجمهور هو عدم تغير الأحكام باختلاف الديار، وإلا لضاع دين الله تعالى، فهذه أقوال أهل