تحصيلها وأطالوا الكلام من إثباتها مع قلة نفعها فهي لحم جمل غثٍ على رأس جبلٍ وعرٍ لا سهلٌ فيرتقى ولا سمين فينتقل". [1] وقد أطال ابن أبي العز في بيان حقيقة هذا العلم المستورد من فلاسفة اليونان والذي كان له أكبر الأثر في حدوث هذه الفرق بين المسلمين، ومن أراد المزيد فليرجع إليه."
ومن خاض في علم الكلام ووصل إلى الخوض في المركب والجسم والمتحيز والجوهر والجهة والحيز والعرض ونحو ذلك كما يخوض شيخ الأحباش فإن لم يتداركه الله برحمته فانه يصل إلى التزندق كما قال أبو يوسف رحمه الله:"من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب غريب الحديث كذب".
وقال الشافعي رحمه الله:"حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد (ورق النخل) والنعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام". وقال:"لقد اطلعت من أهل الكلام على شيء ما ظننت مسلمًا يقوله ولأن يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه ما خلا الشرك بالله خير له من أن يبتلى بالكلام". [2]
فهذه أخي القارئ عقيدة الشافعي والأشعري في علم الكلام، وقد تبين لك كيف أن الأحباش مخالفون لهذين الإمامين الجليلين وهم يزعمون أنهم ينتسبون إليهما.
الله تعالى هو الذي يعين الكافر على كفره
عند الحبشي ولولاه ما استطاع الكافر أن يكفر
يقدم الأحباش هدية لكل عاص فيذكرونه أنه إذا ما ارتكب معصية أن يقول:"قدر الله وما شاء فعل"، يرفع بها الملامة عن نفسه لأنها إنما حصلت بإعانة الله لأنه يعين على الكفر والمعاصي، وما كان بقَدَر الله لا يمكن رده، بل يجب التسليم بقَبوله، فإنّ الفعل فعله ولا قدرة للعبد، والمشيئة مشيئته ولا مشيئة للعبد!! وإليك ذلك من كتب شيخهم، فقد قال الحبشي: (بيان أن الله هو معين المؤمن على إيمانه والكافر على كفره) . [3] وقال: (ولولا أنه [أي الله] أعطى الكافر القدرة على الكفر لم يكفر) . [4] وقال: (جميع ما يتوقف عليه أفعال الجوارح من الحركات والسكنات، كل ذلك بخلق الله لا تأثير لقدرة العبد فيه) . [5] وقال: (يجب على المكلف أن يرضى عن الله في تقدير الخير والشر، فالمعاصي من جملة مقدورات الله ومقتضياته) . [6]
ولا يخفى أن مثل هذا القول يفتح باب الهوى، فيحتج العاصي على الله بقضائه وقدره، وسلب التأثير عنه في القدرة والمشيئة.
وكذلك يرى الأحباش أن الله هو الذي اضطر الكافر على الكفر لأن الله هو الذي أمكنه من ذلك وهو لا يستطيع ردّه، فقد قال شيخهم: (لولا إعانة الله الكافر على الكفر ما استطاع أن يكفر) . [7]
وهذا مذهب الجهمية كما ذكر ذلك البغدادي"أن جهم بن صفوان كان ينكر الاستطاعات كلها". [8] ويتبين من ذلك أن الأحباش على مذهب الجبرية، لأن الجبرية يجعلون العبد مضطرًا ومُكرها في أفعاله.
نقول بأن الشر لا ينسب إلى الله ابتداءً تأدبًا معه، وإن كان الحق أن الله خالق العبد وأفعاله. ولذلك جاء في الفقه الأكبر لأبي حنيفة"إن الله خلق الخلق سليمًا من الكفر والإيمان، ثم خاطبهم وأمرهم ونهاههم، فكفر من كفر بفعله وإنكاره وجحوده للحق بخذلان الله إياه، وآمن من آمن بفعله وإقراره"
(1) شرح العقيدة الطحاوية ص 238 - 248.
(2) مناقب الشافعي للبيهقي 1/ 453 - 454، وكذلك آداب الشافعي ومناقبه ص 182 وكتاب تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام الأشعري ص 341.
(3) صريح البيان ص43.
(4) صريح البيان ص44.
(5) الدليل القويم ص85.
(6) بغية الطالب 70 الدليل القويم 85.
(7) النهج السليم، شرح الصراط المستقيم 67 وصريح البيان ص43.
(8) الفرق بين الفِرق 199، والملل والنحل 110 للشهرستاني.