وأفتى الحبشي وأتباعه بجواز خروج المرأة من بيتها متعطرة متزينة، وإليك أخي قول الحبشي قال: (وأما إذا خرجت المرأة متعطرة أو متزينة ساترة ما يجب عليها ستره من بدنها ولم يكن قصدها ذلك [أي لم يكن قصدها فتنة الرجال] فليس في ذلك أكثر من الكراهية التنزيهية أي أنها لا تعصي) . أي لا تكون عند الحبشي عاصية لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -. [1]
وقد اعتبر الحبشي أيضا في كتابه المذكور (أن من يفهم من الحديث"أيما امرأة خرجت متعطرة"تحريم التطيب للمرأة أنه ليس إلاّ واهما) . [2]
وبهذا الكلام يبطل الحبشي قول علماء الأمة الذين فهموا من الحديث تحريم تعطر المرأة ليشم الناس ريحها، فالحديث يقول"أيّما امرأة استعطرت فمرّت على قوم ليجدوا من ريحها فهي زانية"وفي رواية"هي زانية وكل عين زانية". [3] وفي رواية أخرى"كل عينٍ زانية، والمرأة إذا استعطرت فمرت عل بالمجلس -أ ي مجلس الرجال - فهي زانية" [رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي] . قال المناوي في فيض القدير 5/ 27: (والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس _ أي مجلس الرجال _ فقد هيجت شهوة الرجال بعطرها وحملتهم على النظر إليها، فكل من ينظر إليها فقد زنى بعينه، ويحصل لها إثمٌ لأنها حملته على النظر إليها وشوشت قلبه، فإذن هي سببُ زناه بالعين فهي أيضاَ زانية) . فقد بين المناوي سبب منع خروج النساء متعطرات، حيث بين أن فيه تحريك شهوة الرجال، لذلك منعن من الخروج، ولو كان هذا الخروج إلى الصلاة في المسجد، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"أيما امرأة تطيبت ثم خرجت إلى المسجد ليُوجد ريحها لم يُقبل منها صلاةٌ حتى تغتسل اغتسالها من الجنابة" [رواه الامام أحمد وغيره] . وهناك رواية أخرى للحديث رواها الامام الدارمي تقويّ ما ذهبنا إليه، فإن الرواية تقول:"... فيوجد ريحها ..."فهذه الرواية تدل بشكلٍ قاطع على تحريم خروج المرأة من بيتها متعطرة، سواءٌ بنية التعرض للرجال أم بغير نية لأن الحديث يقول:"فيوجد ريحها"وهذا الوجدان يحصل سواء بقصد أو بغير قصد.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه:"أن امرأة مرت به تعصف ريحها فقال: يا أمة الجبار، المسجد تريدين؟ قالت: نعم، قال: وله تطيبت؟ قالت: نعم، قال فارجعي فاغتسلي فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"ما من
(1) بغية الطالب صـ 446.
(2) بغية الطالب ص 216 و217.
(3) والحديث أخرجه النسائي 2/ 283 وأبو داود 2/ 192 والترمذي 4/ 17 والحاكم 2/ 396 وأحمد 4/ 400 - 413 وابن حزيمة وابن حبان والمنذري 3/ 94 وقال الترمذي حسن صحيح وقال الحاكم صحيح الإسناد ووافقه الذهبي وقال الألباني وهو كما قالوا: أي الحديث صحيح.