يعتقد الأحباش أن القرآن الذي بين أيدينا ليس بكلام الله، بل هو معبرًا عن كلام الله، أي هو كلام جبريل معبرًا به عن كلام الله النفسي، فقد قال الحبشي بأنه يطلق عليه كلام الله مجازًا لا حقيقة، قال: (فهو عبارة عن كلام الله بمعنى أنه يحكي كلام الله، ليس هو بنفسه كلام الله) . [1] وقال في موضع آخر: (فكلام الله النفسي الذي ليس هو حرفًا ولا لغة هو كلام الله الحقيقي، أما القرآن المتضمن للألفاظ فهو مخلوق، لكن يمكن إطلاق لفظ القرآن عليه من باب المجاز) [2] .
وهذا لا يختلف عن رأي الجهمية والمعتزلة القائلين بأن القرآن الذي هو كلام الله مخلوق. وقد أكد الحبشي [3] بأن القرآن هو كلام جبريل فقال (هو عبارة عن كلام الله الذاتي) وقال أيضا في نفس المصدر (فلو كان القرآن يراد به حيث ذكر كلام الله الذاتي لم يضفه الله تبارك وتعالى إلى جبريل) ، أي أن القرآن في الحقيقة هو كلام جبريل وليس هو بكلام الله تعالى. بل استهزأ الحبشي بالذين يعتقدون أن القرآن هو كلام الله تعالى فقال: (بل اعتقادهم أن الله تبارك وتعالى يتكلم بكلام يبدأ به ثم ينتهي وينقضي وهكذا على ما هو المعهود بين العباد) . من هنا أخي تعلم أن الحبشي مخالف لعقيدة أهل السنة لأنه يقصد هنا بالعباد أي عامة أهل السنة ثم قال: (ولا يفهمون [أي جمهور أهل السنة] من كلام الطحاوي غير هذا الفهم الفاسد فليتنبه لذلك) ، ثم رد على ابن أبي العز شارح العقيدة الطحاوية وحذر من شرحه لهذه العقيدة لأنها تختلف وأهواءه.
واعلم أخي أن هذا القول مخالف لاعتقاد أهل السنة والجماعة، فقد قال الطحاوي:"منه بدأ بلا كيفية قولًا."قال ابن أبي العز:"أي ظهر منه ولا يُدرى كيفية تكلُمِه به". وأكد هذا المعنى بقوله"قولًا"أتى بالمصدر المعروف للحقيقة كما أكد الله تعالى التكليم بالمصدر المثبت للحقيقة النافي للمجاز في قوله: {وكلم الله موسى تكليما} [4] فماذا بعد الحق إلا الضلال". [5] "
ولقد قال معتزلي لأبي عمرو بن العلاء أحد القراء السبعة: (أريد أن تقرأ {وكلم الله موسى} بنصب اسم الله ليكون موسى هو المتكلم لا الله) . فقال له أبو عمرو:"هب أني قرأت هذه الآية كذا، فكيف"
(1) الدليل القويم ص66 - 69.
(2) النهج السليم: 26.
(3) في كتابه (إظهار العقيدة السنية) ص 59 وكتابه بغية الطالب ص18 الطبعة الثانية.
(4) النساء: 164.
(5) شرح العقيدة الطحاوية: 176.