فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 37

5 -ومن أسباب الحب الزائف: الاستحسان:

يقول ابن القيم رحمه الله:"سواء تولد هذا الاستحسان عن نظر أو سماع، فإن لم يقارنه طمع في الوصال وقارنه الإياس من ذلك لم يحدث العشق، فإن اقترن به الطمع فصرفه عن فكره، ولم يشتغل قلبه به لم يحدث له ذلك، فإن أطال مع ذلك الفكر في محاسن المعشوق وقارنه خوف ما هو أكبر عنده من لذة وصاله، إما خوف ديني كدخول النار، وغضب الجبار، واحتقاب الأوزار، وغلب هذا الخوف على ذلك الطمع والفكر لم يحدث له ذلك العشق، فإن فاته هذا الخوف فقارنه بخوف دنيوي، كخوف إتلاف نفسه أو ماله، أو ذهاب جاهه وسقوط مرتبته عند الناس، وسقوطه من عين مَن يعزّ عليه وغلب هذا الخوف لداعي العشق دفعه، وكذلك إذا خاف من فوات محبوب هو أحب إليه وأنفع من ذلك المعشوق، وقدم محبته على محبة ذلك المعشوق اندفع عنه العشق، فإن انتفى ذلك كله وغلبت محبة المعشوق لذلك؛ انجذب إليه القلب بكليته، ومالت إليه النفس كل الميل".اهـ

وهذا الميل والذي كانت بدايته الاستحسان، والذي حصل نتيجة غلبة الهوى، وطغيان الرغبة وشدتها، وهذا يعمي عين البصيرة، فيرى الإنسان الأشياء على غير ما هي عليه في الحقيقة والواقع، وإن كان البصر سليمًا، فليس الشأن ببصر الرأس، وإنما الشأن ببصر القلب.

وقد وصف الله - عز وجل - قوم لوط بالعمه وهو عمى البصيرة.

فقال تعالى: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} ... [الحجر: 72]

فإن الحب ينشأ بين الرجل والمرأة إذا تعوَّد كل منهما على الآخر، وقد قيل: الحب يولد ويموت بالتعوُّد. فينشأ هذا الحب بين الزميل والزميلة في الدراسة، أو في العمل، أو في السكن، وتبدأ الوعود والعهود، وتبدأ التنازلات، وتكون العاقبة وخيمة، والنهاية مؤسفة، حيث تشقى هذه الفتاة وحدها بما قدمته من تنازلات، وكم من قصص للحب سمعناها ورأيناها وقرآناها! فكانت كأضغاث أحلام فسدت وتحطَّمت على شاطئ الواقع، فلم تخلف غير دموع وآهات وسهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت