فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 37

يُلَبِّس الشيطان على الفتى أنه ينبغي عليه أن يتعرَّف على الفتاة أثناء فترة الخطوبة، ويتعرف على أخلاقها وعلى جميع أحوالها؛ لكثرة ما عمَّ من فساد بين الفتيات، وفي الغالب تكون هذه أيضًا رغبة الفتاة لكثرة ما ترى من فشل بين الأزواج، وخشية المستقبل المجهول، والأعجب أن أهل كلًا من المخطوبين يشجِّع على ذلك، ويسمحا بالاختلاط والخلوة والخروج؛ بحجة أن يتعرَّف كل منهما على الآخر، وفي هذه الفترة يُظهر الشاب أكرم ما عنده من خصال؛ لينال رضا فتاته، وكذلك الفتاة تفعل كل ما يجذب إليها فتاها ويعلقه بها، فيعاشرها وتعاشره، ويخالطها وتخالطه، ويؤاكلها وتؤاكله لفترة من الزمن قد تطول أو تقصر، ويحدث بينهما من همس ولمس واحتكاك وعناق وحب، يذوب ويتلاشى عندما تُمَكِّنه الفتاة من نفسها، فيفقد الثقة فيها، ويبحث عن غيرها.

فالغناء من الأسباب التي تجعل العشق يتمكَّن من القلب، وهو يُسكر الروح، والسكر لذة ينغمر معها العقل، فتظهر الكوامن، وتهيج المشاعر الحيوانية، فيتمكَّن الشيطان في هذه الأحوال من الإنسان، وينقش في قلبه صورة معشوقه على غير ما هو عليه، فيعكف القلب عليها عكوف العابد على معبوده، والمتأله على إلهه، ويوحي إليه الشيطان أنه لا حياة لك ولا راحة ولا سعادة إلا بوصل هذا المحبوب، وكيف تعيش بدونه وقد سلب قلبك ولبك؟ فيتغنَّى ويتمنَّى ويهيم في أودية الغيِّ والضلال، غافلًا عن محبوب الحق ذي العزة والجلال، والكمال والجمال، راكبًا مركب الأماني والخيال، يجري به في بحر الجنون والخيال، لا ساحل لهذا البحر يُرجى لراكبه وصوله، تغشاه الظلمات وتحيط به الآفات المهولة كما يقال:

تولع بالعشق حتى عشق ... فلما استقل به لم يطق

رأى لُجَّة ظنها موجة ... فلما تمكن منها غرق

يقول ابن القيم رحمه الله:

"كم من حرةٍ صارت بالغناء من البغايا! وكم من حرٍ أصبح به عبدًا للصبيان أو للصبايا!، وكم من معافٍ تعرَّض له فأمسى وقد حلَّت به أنواع البلايا!، وكم أهوى للمشغوف به من أشجان وأحزان، وكم جرع من غُصَّة وأزال من نعمة، وجلب من نقمة!."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت