فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 37

ألا ترين فلانة ألا ترين الزميلة ... وإن أردت سبيلًا فالعرس خير وسيلة

وانقادت الفتاة للذئب على نفس ذليلة ... فيا لفحش أتته ويا فعال وبيلة

حتى إذا الذئب أروى من الفتاة غليله ... قال اللئيم وداعًا ففي البنات بديلة

قالت ألما وقعنا، أين الوعود الطويلة؟ ... قال الخبيث وقد كشر عن مكر وحيلة

كيف الوثوق بغر وكيف أرضى سبيله ... مَن خانت العرض يومًا عهودها مستحيلة

بكت عذابًا وقهرًا على المخازي الوبيلة ... عار ونار وخزي كذا حياة ذليلة

-كتبت إحداهن - وكانت سليلة مجد، ومن بيت عز- تستعطف الذئب بعد أن سلبها عذريتها فقالت:"لو كان بي أن أكتب إليك لأجدد عهدًا دارسًا أو ودًا قديمًا ما كتبت سطرًا، ولا خططت حرفًا، لأني لا أعتقد أن عهدًا مثل عهدك الغادر، وودًا مثل ودك الكاذب، يستحق أن أحفل به فأذكره، أو آسف عليه فأطلب تجديده، إنك عرفت حين تركتني أن بين جنبي نارًا تضطرم، وجنينًا يضطرب، تلك للأسف على الماضي، وذاك للخوف من المستقبل، فلم تبال بذلك، وفررت مني حتى لا تحمل نفسك مئونة النظر إلى شقاء أنت صاحبه، ولا تكلف يدك مسح دموع أنت مرسلها، فهل أستطيع بعد ذلك أن أتصوَّر أنك رجل شريف! لا. بل لا أستطيع أن أتصور أنك إنسان، لأنك ما تركت خلة من الخلال المتفرقة في نفوس العجماوات والوحوش الضارية إلا جمعتها في نفسك، وظهرت بها جميعها في مظهر واحد، وكذبت عليَّ في دعواك أنك تحبني وما كنت تحب إلا نفسك، وكل ما في الأمر أنك رأيتني السبيل إلى إرضاء نفسك، فممرت بي في طريقك إليها، ولولا ذلك ما طرقت لي بابًا، ولا رأيت لي وجهًا، خنتني إذ عاهدتني على الزواج، فأخلفت وعدك ذهابًا بنفسك أن تتزوج امرأة مجرمة ساقطة، وما هذه الجريمة ولا تلك السقطة إلا صورة نفسك، وصنعة يدك، ولولاك ما كنت مجرمة ولا ساقطة، فقد دفعتك - جهدي- حتى عييت بأمرك، فسقطت بين يديك سقوط الطفل الصغير بين يدي الجبار الكبير، سرقت عفتي، فأصبحت ذليلة النفس حزينة القلب، استثقل الحياة واستبطئ الأجل، وأي لذة في العيش لامرأة لا تستطيع أن تكون زوجة لرجل ولا أمًّا لولد! بل لا تستطيع أن تعيش في مجتمع من هذه المجتمعات البشرية إلا وهي خافضة رأسها، ترتعد أوصالها، وتذوب أحشاؤها، خوفًا من تهكُّم المتهكِّمين، سلبتني راحتي لأني أصبحت مضطرة بعد تلك الحادثة إلى الفرار من ذلك القصر، وتلك النعمة الواسعة، وذلك العيش الراغد إلى منزل لا يعرفني فيه أحد، قتلت أبي وأمي، فقد علمت أنهما ماتا، وما أحسب موتهما إلا حزنًا لفقدي، ويأسًا من لقائي، قتلتني لأن ذلك العيش المرَّ الذي شربته من كأسك، وذلك الهم الذي عالجته بسببك، قد بلغا مبلغهما من جسمي ونفسي؛ فأصبحت في فراش الموت كالزبالة المحترقة، فأنت كاذب خادع ولص قاتل، ولا أحسب أن الله تاركك بدون أن يأخذ لي بحقي منك"... (النظرات للمنفلوطي)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت