ذئب آخر ..."كان من شباب الخلاعة واللهو، علم أن المنزل الذي يجاور منزله يشتمل على فتاة حسناء، من ذوات الثراء والنعمة والرفاهية والرغد، فرنا إليها النظرة الأولى فتعلقها، فكررها أخرى، فبلغت منه، فتراسلا، ثم تزاورا، ثم افترقا، وقد ختمت روايتهما بما تختتم به كل رواية غرامية يمثلها أبناء آدم وحواء على مسرح هذا الوجود، عادت الفتاة تحمل بين جانبيها همًّا يضطرم في فؤادها، وجنينًا يضطرب في أحشائها، وقد يكون لها إلى كتمان الأول سبيل، أما الثاني فسر مذاع وحديث مشاع، إن اتسعت له الصدور، فلا تتسع له البطون، وإن ضنَّ به اليوم فلا يضن به الغد، فلما أسهر الهَمُّ ليلها، وأقض مضجعها، لم تر لها بُدًا من الفرار بنفسها، والنجاة بحياتها، فعمدت إلى ليلة من الليالي الداجية فلبستها وتلفعت بردائها، ثم رمت بنفسها في بحرها الأسود، فمازالت أمواجها تتلقفها وتترامى بها حتى قذفت بها إلى شاطئ الفجر، فإذا هي في غرفة مهجورة في إحدى المنازل البالية، في بعض الأحياء الخاملة وإذا هي وحيدة في غرفتها لا مؤنس لها إلا ذلك الهم المضطرم."
وتدور عجلة الزمان دورتها، تلك العجلة التي لا حيلة لنا في إيقافها، فماذا كان؟ يغفر المجتمع لهذا الذئب، ويقبل توبته، وينسى زلته، ويعين قاضيًا، وتضع المسكينة طفلتها في تلكم الغرفة المتهالكة، باعت جميع ما تملك يدها وما يحمل بدنها وما تشتمل عليه غرفتها من حلي وثياب وأثاث، حتى إذا طار غراب الليل عن مجثمه، أسدلت برقعها على وجهها وائتزرت بمئزرها، وأنشأت تطوف شوارع المدينة وتقطع طرقها، لا تبغي مقصدًا، ولا ترى غاية سوى الفرار بنفسها من همها لا يزال يسايرها ويترسم مواقع أقدامها، وفي إحدى الليالي سيق لها رجل، كان ينقم عليها شأنًا من شئون شهواته ولذاته، فزعم أنها سرقت كيس دراهمه، ورفع أمرها إلى القضاء، وجاء يوم الفصل؛ فسيقت إلى المحكمة، وفي يدها فتاتها، وقد بلغت السابعة من عمرها، فأخذ القاضي ينظر في القضايا ويحكم فيها؛ حتى أتى دور الفتاة، فما وقع بصرها عليه حتى شدهت عن نفسها وألم بها من الاضطراب والحيرة ما كاد يذهب برشدها، وذلك أنها عرفته، وعرفت أنه ذلك الفتى الذي كان سبب شقائها، وعلة بلائها، فنظرت إليه نظرة شزراء، ثم صرخت صرخة دوى بها المكان دويًا، وقالت:"رويدك أيها القاضي، ليس لك أن تكون حكمًا في قضيتي، فكلانا سارق، وكلانا خائن، والخائن لا يقضي على الخائن، واللص لا يصلح أن يكون قاضيًا بين اللصوص"، فعجب القاضي والحاضرون لهذا المنظر الغريب، وهم أن يدعو الشرطي لإخراجها، فحسرت قناعها عن وجهها، فنظر إليها نظرة ألم فيها بكل شيء، وعادت الفتاة إلى إتمام حديثها فقالت:"أنا سارقة المال، وأنت سارق العرض، والعرض أثمن من المال، فأنت أكبر مني جناية، وأعظم جرمًا وإن الرجل الذي سرقتُ ماله ليستطيع أن يعزي نفسه باسترداده أو الاعتياض عنه، أما الفتاة التي سرقتَ عرضها فلا عزاء لها،؛ لأن العرض الذاهب لا يعود، لولاك لما سرقت،"