ولا وصلت إلى ما إليه وصلت، فاترك كرسيك لغيرك، وقف بجانبي ليحاكمنا القضاء العادل على جريمة واحدة، أنت مُدبِّرها وأنا المسخرة فيها، رأيتك حين دخلت هذا المكان، وسمعت الحاجب يصرخ لمقدمك، ويستنهض الصفوف للقيام لك، ورأيت نفسي حين دخلت والعيون تتخطاني والقلوب تقتحمني، فقلت: يا للعجب، كم تكذب العناوين، وكم تخدع الألقاب، أتيت بي إلى هنا، لتحكم عليّ بالسجن، كأن لم يكفك ما أسلفت إلي من الشقاء، حتى أردت أن تجئ بلاحق لذلك السابق، ألم تك إنسانًا، فترثى لشقائي وبلائي؟ إن لم تكن عندي وسيلة أمت بها إليك، فوسيلتي إليك ابنتك هذه، فهي الصلة الباقية بيني وبينك، وهنا رفع"الذئب"- عفوًا- رفع القاضي رأسه، ونظر إلى ابنته الصغيرة، وأعلن أن المرأة قد طاف بها طائف من الجنون، وأن لابد من إحالتها على الطبيب فصدق الناس قوله، ثم قام من مجلسه ... فيا الله؟!!!!!!
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى ... وصوت إنسان فكدت أطير
كوني أكبر من أن تقعي فريسة لذئب بشري، يأخذ منك أعز ما تملكين، ولا تظفري منه بأدنى شيء.
فهيا أختاه ... أغلقي باب كل فتنة، وسدي باب كل شبهة، وتذكري أن الفتاة الأمينة ثمينة، فإذا خانت؛ هانت.
وتذكري كم من فتاة عضت أصابعها ندمًا، وأصبح أهلها يتوارون من القوم نظرًا لما لُطخ بعرضها، ولكن هيهات ... هيهات، وما حدث ذلك إلا لأنها نسيت عقلها وربها في قصة غرام، أو ديوان غزل، أو بين صفحات مجلة، أو عبر الهاتف، أو أمام شاشة التلفاز، أو عند نظرات ذئب جائع، أو بين معسول حديثه.
أختاه ... احذري الذين صوَّروا لكِ الحياة حبًا في حب، وغرامًا في غرام، وعشقًا في عشق، فلا تسير ولا تصح الحياة بدون هذا الحب الذي يزعمون وبه يتشدقون، قالوا:"لابد من الحب الشريف بين الشاب"
والفتاة، والله يقول: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32} وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا الأحزاب: 32 - 33]
فأي حب هذا الذي يزعمون وأي شرف هذا الذي يتشدقون {قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [المنافقون: 4]
فما الحب الشريف كما يزعمون إلا شهوة لم تقضي، ورغبة لم تتحقق، وما دون ذلك وهم وضلال وكذب وتدليس على النفس
إن الحب بين شاب وفتاة خرافة لا تروج سوقه إلا على المجانين والمراهقين وأهل الدياثة والخنا.