وفي المرة الثالثة وقف أمامه، وجرى بينهما المحاورة الآتية بوساطة المترجم:
-أما عرفتني؟
-نعم أعرفك انك نيقولا نيقولافيج، خال القيصر والقائد العام لجبهة القفقاس.
-فِلمَ إذن قَصَدت الإهانة؟
-كلا! معذرة. إنني لم استهن بك. وإنما فعلت ما تأمرني به عقيدتي.
-وماذا تأمر العقيدة؟
-إنني عالم مسلم أحمل في قلبي الإيمان، فالذي يحمل الإيمان في قلبه أفضل ممن لا يحمله. فلو أنني قد قمت لك احترامًا لكنت إذن قليل الاحترام لعقيدتي. ولهذا لم أقم لك.
-إذن فأنت بإطلاقك صفة عدم الإيمان عليّ تكون قد أهنتني وأهنت جيشي وأهنت أمتي والقيصر فلتشكّل حالًا محكمة عسكرية للنظر في استجوابه.
وتتشكل محكمة عسكرية بناء على هذا الأمر، ويأتي الضباط الأتراك والألمان والنمساويون للإلحاح على بديع الزمان بالاعتذار من القائد الروسي وطلب العفو منه، إلاّ انه أجابهم بالآتي:
إنني راغب في الرحيل إلى دار الآخرة والمثول بين يدي الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم -
فأنا بحاجة إلى جواز سفر فحسب للآخرة
ولا أستطيع أن أعمل بما يخالف إيماني ...
وتجاه هذا الكلام يؤثر الجميع الصمت منتظرين النتيجة
وتنهي المحكمة أعمالها بإصدار قرار الإعدام بموجب مادة إهانة القيصر والجيش الروسي. وتحضر مفرزة يقودها ضابط روسي لأخذه إلى ساحة الإعدام. ويقوم بديع الزمان إلى الضابط الروسي قائلًا له بابتهاج: اسمحوا لي خمس عشرة دقيقة فقط لأودي واجبي.
فيقوم إلى الوضوء وأثناء أدائه الصلاة، يحضر نيقولا نيقولافيج ويخاطبه:
-أرجو منك المعذرة، كنت أظن أنكم قمتم بعملكم هذا قصد إهانتي