الليلة الخامسة
احفظ الله يحفظك
دعا أبو جعفر المنصور العالم سفيان الثوري ليوليه القضاء في إحدى ولاياته، فلما مثل سفيان بين يديه، قال له المنصور: إنا نريد أن نوليك القضاء في بلدة كذا، فأبى سفيان، وأبو جعفر يكرر عليه ويأبى سفيان الثوري. فقال له المنصور: إذن نقتلك، قال سفيان: افعل ما شئت.
فصاح المنصور: يا غلام النطع والسيف، فاقبلوا بالنطع (وهو جلد يوضع تحت الذي يٌقتل حتى لا تتسخ الأرض بدمه) ، ثم أقبلوا بالسيف، فلما رأى سفيان السيف، علم أن الأمر جدي، فقال سفيان: أيها الخليفة أنظرني إلى غدٍ آتيك بزي القضاة.
فلما أظلم عليه الليل، ركب دابته وخرج من الكوفة هاربا، فلما أصبح أبو جعفر انتظر سفيان الثوري أن يقدم إليه، فلم يقدم عليه حتى وقت الضحى، فأمر رجاله أن يلتمسوه، فرجعوا إليه يقولون له إن سفيان الثوري قد خالفك وهرب في ظلمة الليل.
فغضب أبو جعفر، وأرسل إلى جميع الولاة بأنه من يأتي بسفيان الثوري حيا أو ميتا له كذا وكذا.
هرب سفيان الثوري وذهب إلى اليمن، وفي طريقه احتاج إلى المال، فأجر نفسه عند صاحب بستان على طريق اليمن، فأخذ يشتغل فيه أيامًا، وبعد عدة أيام جاء صاحب البستان، فسأله: من أين أنت يا غلام؟؟؟ (وكان لا يعرف أنه سفيان الثوري عالم المسلمين العابد الزاهد،) ، فأجابه سفيان: أنا من الكوفة، فسأله صاحب البستان: أرطب الكوفة أطيب أم الرطب الذي عندنا؟؟
فأجابه سفيان: أنا ما ذقت الرطب الذي عندكم!!!
قال صاحب البستان: سبحان الله!! الناس جمعيهم صغيرهم وكبيرهم بل حتى الحمير والكلاب اليوم تأكل الرطب من كثرته، وأنت ما أكلت الرطب؟! لمَ لم تأكل من المزرعة الرطب وأنت تعمل فيها؟
قال سفيان: لأنك لم تأذن لي بذلك فلا أريد أن أدخل في جوفي شيئًا من الحرام.