ومرت الأيام، وتذكر صاحب السيارة المعطوبة المعروفَ الذي صنعه معه صاحبه، فاتصل عليه ليسأل عنه، فقالت زوجته:"هو في السجن"، وذكرت له اسم السجن، وفهم منها أنه سُجن بسبب الديون التي عليه.
وفي اليوم التالي أخذ الرجل معه مئة ألف ريال وذهب إلى السجن وأعطاها لضابط السجن، وقال:"هذه لقضاء ديون فلان وإخراجه من عندكم"، قال الضابط:"من أنت؟"، قال له:"لا داعِ لأن أذكر لك اسمي"ومضى.
بعد عشرين يومًا اتصل ببيت صاحبه ليطمئن عليه فقالت له زوجته:"مازال في السجن".
فما كان منه إلا أن سارع إلى السجن، وسأل الضابط عن سبب عدم إطلاق سراح صاحبه، فقال:"الدين الذي عليه ثلاثة ملايين وليس مئة ألف"، ثم أردف قائلًا:"أنا حائر في أمري ممن أتعجب، هل أتعجب منك حين جئت بمئة ألف ريال دون أن تذكر اسمك؟"
أو أتعجب من صاحبك السجين حين قال لي: المئة ألف لن تصنع لي شيئًا، فأرجو أن تطلق بها سراح بعض زملائي المسجونين ممن عليه خمسة آلاف وعشرة آلاف وقد أطلقت بها فعلًا اثني عشر مسجونًا"."
قال صاحبنا:"خير إن شاء الله"، وغاب قرابة شهر ثم عاد وقد جمع الملايين الثلاثة من مدخراته ومن بعض المحسنين، وأطلق بها سراح صاحب المروءة.
درس وعبر
عن أنس رضي الله عنه، قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس، قال: وقد فزع أهل المدينة ليلة سمعوا صوتًا، قال: فتلقاهم النبي صلى الله عليه وسلم على فرس لأبي طلحة عُرْيٍ عُرْيٍ: أي ليس عليه سرج ولا أداة، ولا يقال في الآدميين إنما يقال عريان، وهو متقلِّد سيفه، فقال: لم تراعوا [1]
قال القرطبي: في هذا الحديث ما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد جمع له من جودة ركوب الخيل، والشَّجَاعَة، والشهامة، والانتهاض الغائي في الحروب، والفروسية وأهوالها، ما لم يكن عند أحد من الناس، ولذلك قال أصحابه عنه: إنه كان أشجع الناس،
(1) - رواه البخاري (3040) واللفظ له ومسلم (2307) .