وقوله:"إذا لم تستح فاصنع ما شئت"في معناه قولان:
القول الأول: إنه ليس بمعنى الأمر أن يصنع ما يشاء، ولكنه على معنى الذم والنهي عنه
وأهل هذه المقالة لهم طريقان:
أحدهما: أنه أمر بمعنى التهديد والوعيد، والمعنى: إذا لم يكن حياء فاعمل ما شئت فالله يجازيك عليه كقوله تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [فصلت: 40]
وكقوله: {فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ} [الزمر: 15]
ثانيهما: أنه أمر ومعناه الخبر، والمعنى: أن مَن لم يستح صنع ما شاء، فإن المانع من فعل القبائح هو الحياء، فمن لم يكن له حياء انهمك في كل فحشاء ومنكر
فمَن سقطت صبغة الحياء عن وجهه كما تسقط القشرة الخضراء عن العود الغض، فقد آذنت حياته الفاضلة بالضمور، فيجترئ على المخالفات ولا يبالي بالمحرمات.
ومما ينسب للشافعي أنه قال:
إذا لم تخش عاقبة الليالي ... ولم تستح فاصنع ما تشاء
فلا والله ما في العيش خير ... ولا الدنيا إذا ذهب الحياء
يعيش المرء ما استحيا بخير ... ويبقى العود ما بقي اللحاء
وقال غيره:
إذا لم تصن عرضًا ولم تخش خالقًا ... وتستحي مخلوقًا فما شئت فاصنع
القول الثاني: إنه أمر بفعل ما يشاء على ظاهر أمره.
والمعنى: إذا كان الذي يريد فعله مما لا يستحي من فعله، لا من الله ولا من الناس لكونه من أفعال الطاعات أو من جميل الأخلاق والآداب المستحسنة فاصنع منه حينئذ ما شئت (لا حرج في فعله)
"وهذا قول جماعة من الأئمة منهم: إسحاق المروزي، والشافعي وحكي مثله عن الإمام أحمد."
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا} [الأحزاب:69]
أي: لا تكونوا أمثال بني إسرائيل الذين آذوا نبيهم موسى، واتهموه ببرص في جسمه أو أُدْرَة
(انتفاخ الخصية) لفرط تستره وحيائه، فأظهر الله براءته وكذبهم فيما اتهموه به
فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"إن موسى كان رجلًا حييًا ستيرًا، لا يرى من جلده شيء استحياء منه،"
فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يتستَّر هذا التستر إلا من عيب بجلده، إما برص وإما أُدْرَة (انتفاخ الخصية) وإما آفة أخرى، وإن الله أراد أن يبرئه مما قالوا، فخلا يومًا وحده فوضع ثيابه على الحجر