علاوة على ذلك، فلقد اهتمت الشعوب القديمة بالفكر والإدراك والعواطف والانفعالات والمشاعر. كما اعتنت بها الكتب المقدسة والملاحم اليونانية، كما يتجلى ذلك واضحا عند هوميروس في (الإليادة) و (الأوديسا) . وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على قدم علم النفس، وارتباطه بظهور الفكر الإنساني.
وقلما نجد فيلسوفا يونانيا أو عربيا أو غربيا لم يتطرق إلى النفس الإنسانية، بشكل من الأشكال، فإن لم يتناولها بطريقة كلية ومحورية، فإنه يشير إليها بنحو جزئي أو عابر.
ومن ثم، فالنفس الإنسانية - حسب هيرقليطس- متصلة بالنار الإلهية العاقلة، وتصعد من حالة إلى أخرى، فتتحول النفس من رطوبة إلى بخار، ثم إلى نار. لذلك، تكون النفس الإنسانية عاقلة وصالحة عندما تكون جافة وحارة، وتكون فاسدة وطالحة عندما تكون ناتجة عن الرطوبة والماء. وبهذا، تكون النفس صالحة في ارتباطها الوثيق باللوغوس الناري، وتكون فاسدة في ارتباطها بالماء والشراب واللذات والمجون.
ومن هنا، فالنار عبارة عن بخار حار، والحرارة ضرورية للحي، ولاسيما الإنسان منه. هي قبس من النار الإلهية تدبر الجسم، كما تدبر النار الألم، فيجب عليها أن تعلم قانونها الذي هو القانون الكلي، وتعمل به، فلا تتشبث بالجسم ومطالبه، تضع ذاتها في التيار العام، وتقمع الشهوة؛ لأن الشهوة توكيد للشخصية، والشخصية انتقاص على القانون الطبيعي، ومعارضة للتغير. والدين الحق هو مطابقة الفكر الفردي للقانون الكلي (اللوغوس) ، والفناء في النار العالمية. [1]
في حين، يمثل الثبات والاستقرار الموت والعدم. وفي هذا، يقول هيرقليطس في بعض شذراته الفلسفية المتقطعة:"والشقاق أبو الأشياء وملكها: لولا المرض لما اشتهينا الصحة، ولولا العمل لما نعمنا بالراحة، ولولا الخطر لما كانت الشجاعة، ولولا الشر لما كان الخير، أليست النار تحيا موت الهواء، والهواء يحيا موت النار، والماء يحيا موت التراب، والتراب يحيا موت الماء، والحيوان يحيا موت النبات، والإنسان يحيا موت الاثنين؟ فالوجود موت يتلاشى، والموت وجود يزول؛ كذلك الخير شر يتلاشى، والشر خير يزول، فالخير والشر، والكون والفساد، أمور تتلازم وتنسجم في النظام العام، بحيث يمتنع تعيين خصائص ثابتة للأشياء:"ماء البحر أنقى وأكدر ماء، يشربه السمك ولا يستسيغه الإنسان، هو نافع للأول، ضار بالثاني. ونحن ننزل النهر ولا ننزل (من حيث إن مياهه تتجدد بلا انقطاع) ، ونحن موجودون وغير
(1) - يوسف كرم: تاريخ الفلسفة اليونانية، مطبعة لجنة التأليف والنشر والنشر، القاهرة، مصر، الطبعة الثالثة 1953 م، ص:18 - 19.