موجودين (من حيث إن الفناء يدب فينا في كل لحظة) ، فكل شيء هو كذا وليس كذا، موجود وغير موجود". [1] "
ومن خلال هذه الشذرات، يتبين لنا أن هيرقليطس يؤمن بالصراع الجدلي، ويقول بصراع الأضداد في هذا الكون، وأن الحياة في تغير مستمر أساسه الحياة والموت، أو الوجود والفناء، أو الظهور والاختفاء. ومن ثم، فالعالم أساسه النار التي تنتصر على كل الأضداد الأخرى، مثل: الماء، والهواء، والتراب، والإنسان. . .
ويعد ديمقريطس (Democrite) (470 - 361 ق. م) أيضا من أهم فلاسفة المذهب الذري. وقد كتب مجموعة من المؤلفات في الأخلاق، والطبيعة، والنفس، والطب، والنبات، والحيوان، والرياضيات، والفلك، والعلوم، والفنون، والموسيقا، والجغرافيا، والزراعة، والصنائع. وقد وصل عددها إلى اثنين وخمسين (52) مؤلفا، ولكنها لم تصل إلينا، ولم يبق منها سوى شذرات متفرقة هنا وهناك.
وقد عاش ديمقريطس في مدينة أبديرا (Abdere) التي توجد بإقليم تراقيا. وقد كان من الفلاسفة الموسوعيين في تاريخ الفلسفة بصفة خاصة، وتاريخ الإنسانية بصفة عامة. وهو فيلسوف مادي، قال بالذرات والفراغ في تفسيره للكون والطبيعة. وبذلك، يكون المؤسس الحقيقي للفلسفة المادية التي تتقابل مع الفلسفة المثالية لأفلاطون. وبهذا يكون هذا المذهب المادي مصدرا للفلسفات المادية الحديثة والمعاصرة، كالفلسفة الواقعية عند أرسطو، والمادية الميكانيكية عند فيورباخ، والمادية الجدلية عند ماركس [2] وأنجلز. . . [3]
وعليه، فقد قال ديمقريطس بالذرة على أساس أنها المبدأ الأول للوجود الكوني، وأن الكون كله ملاء من الذرات الكثيرة المتحركة. كما أن النفس مادية مؤلفة من أدق الجواهر، وأسرعها حركة، من حيث إن النفس مبدأ الحركة في الأجسام الحية [4] . ويعني هذا أن الكون يتألف من الذرات (الملاء) والفراغ [5] . أي:
(1) - نقلا عن يوسف كرم: نفسه، ص:17 - 18.
(4) - يوسف كرم: نفسه، ص:39.