فهرس الكتاب
ومن هنا، يمكن الحديث عن تصورين مختلفين حول النفس الإنسانية، تصور يفصل بين الروح والجسد كما عند أفلاطون وديكارت، وتصور مخالف يوحد بينهما كما عند أرسطو. وفي المقابل، يرى أرسطو أن الروح توجد داخل الجسد، ويصعب الفصل والتمييز بينهما كاستحالة الفصل بين المادة وشكلها.
وفي العصر الحديث، تناول الفلاسفة ثنائية الفطري والمكتسب التي اشتغل عليها علم النفس فيما بعد، ولاسيما علم النفس المعرفي، فقد أثبت العقلانيون أن الملكات العقلية وراثية وفطرية ويقينية وصادقة، كما نجد ذلك عند ديكارت، وليبنز، وسبينوزا. . . أما التجريبيون كجون لوك، ودافيد هيوم، واستيوارت ميل. . .، فيذهبون إلى أن العقل صفحة بيضاء. وبالتالي، تكتسب المعارف الذهنية من الواقع التجريبي الخارجي. في حين، يقول كانط بثنائية الفطري والمكتسب، وإن كان يعطي الأولوية لما هو فطري.
وقد تحضر النفس بمعنى القلب والروح كما عند بليز باسكال (B. Pascal) (1623 - 1662 م) ، في كتابه (خواطر/ Pensees) ، الذي ينفي أن يكون العقل دائما مصدر المعارف والحقائق العلمية والإنسانية، فيمكن للقلب أن يكون مصدرا للمعرفة الحقيقية، مادامت هي نابعة من الذات والداخل. ومن ثم، فالقلب يعضد العقل، ويقويه لمعرفة الكثير من الحقائق الغامضة، وإدراكها بشكل جيد، ولاسيما الحقائق الروحانية والحقائق الرياضية والمعارف الفيزيائية. ومن هنا، فعلى العقل أن يؤسس خطابه المعرفي والعلمي على مبادئ القلب والغريزة. وأي سخرية تطال القلب، يمكن أن تطال كذلك العقل. لأن العقل يحتاج إلى حقائق القلب، مادام ينطلق منها بوصفها حقائق بديهية أولى. وفي هذا الصدد، يقول بليز باسكال:"نعرف الحقيقة لابواسطة العقل فقط، ولكن أيضا بواسطة القلب. فعن هذا الأخير نعرف المبادئ الأولى التي يحاول الاستدلال العقلي. . ."
إن معرفة المبادئ الأولى، مثل: المكان والزمان والحركة والأعداد هي من الصلابة بحيث تتجاوز سائر المبادئ التي يقدمها لنا الاستدلال العقلي. إنما ينبغي على العقل أن يستند، لتأسيس خطابه بكامله، على المعارف الصادرة عن القلب والغريزة. فالقلب يشعر أن هناك ثلاثة أبعاد في المكان، وأن الأعداد لانهائية، وبعد ذلك، يأتي العقل ليبرهن أن لا وجود لعددين مربعين يكون أحدهما ضعف الآخر.
إننا نشعر بالمبادئ، أما القضايا فيستخلص بعضها من بعض، والكل له نفس اليقين، وإن اختلفت الطرق المؤدية إليه. ومن غير المفيد كذلك، بل من المثير للسخرية أن يطلب العقل من القلب البرهنة على مبادئه الأولى حتى يتوافق معها، ومن المثير للسخرية أيضا أن يطلب القلب من العقل أن يشعر بجميع القضايا التي يبرهن عليها حتى يتلقاها منه." [1] "
(1) - باسكال: خواطر، تقديم: مارسيل غرسان، النادي الفرنسي للكتاب، طبعة 1963 م، ص:22 - 23.