الصفحة 21 من 59

هو منقوش بجميع ما قضى الله به إلى يوم القيامة. وتجلى حقائق العلوم من مرآة اللوح في مرآة القلب يضاهي انطباع صورة من مرآة في مرآة تقابلها." [1] "

وقد خاض الفلاسفة المسلمون في مجال النفس الإنسانية. فهناك من يرى أن الله سيحشر النفوس دون الأجساد، كالفارابي وابن سينا وابن رشد، وهناك من يرى أن الله سيبعث النفوس مع أجسادها كما عند الغزالي.

وبهذا، يكون الغزالي قد شن حملة نقدية واسعة على الفلاسفة المسلمين، في كتابه (تهافت الفلاسفة) [2] ، بالتوقف عند عشرين مسألة، معتمدا في ذلك على الدين والمنطق؛ حيث بدعهم في سبع عشرة مسألة، وكفرهم في ثلاث مسائل أو حقائق فلسفية، ويمكن حصر هذه الحقائق الثلاث في القضايا التالية:

1 -مسألة قدم العالم وأزليته؛ حيث قال الفلاسفة باستحالة صدور حادث عن قديم أصلا.

2 -قضية العلم الإلهي؛ حيث يذهب الفلاسفة إلى أن الله يعلم الكليات دون الجزئيات.

3 -حشر النفوس دون الأجساد؛ حيث يرى الفلاسفة المسلمون أن الله سيبعث النفوس دون الأجساد.

وهكذا، فالغزالي يخالفهم في ذلك؛ إذ يثبت أن الله يعلم الكليات والجزئيات على حد سواء، وأن الله أيضا سيبعث النفوس والأجساد معا، ويؤكد كذلك إمكان صدور الحادث عن القديم أصلا. ومن ثم، فقد وضع الغزالي حدا نهائيا للميتافيزيقا الإسلامية، واختار منهجا آخر في المعرفة هو المنهج الصوفي؛ حيث اعتبر الخلوة مصدرا للمعرفة، وطريقا مؤديا إلى الحقيقة الربانية السرمدية.

وبناء على ماسبق، فقد تأسس علم النفس، في مساره التاريخي والمعرفي، على تصورين مختلفين هما: التصور العقلاني والتصور التجريبي.

هذا، ولم يظهر مصطلح (السيكولوجيا) إلا في أواخر القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر، وبالضبط في كتاب (Psichiologia de ratione animae humana) للعالم الكرواتي ماركو ماريلوك (Marko Marulic) . وبعد ذلك، بدأ المصطلح في الانتشار والشيوع من باحث إلى آخر.

ولم يتبوأ علم النفس مكانته العلمية إلا في منتصف القرن التاسع عشرالميلادي. أما قبل ذلك، فقد كان فرعا من فروع الفلسفة إلى غاية 1870 م. وبعد ذلك، تأسست الكراسي والمختبرات العلمية التي تهتم بعلم النفس. وفي سنة 1732 م، ميز وولف (Wolff) بين علم النفس العقلاني وعلم النفس التجريبي.

(1) - أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين، الجزء الثالث، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، بدون تاريخ للطبعة، صص:18 - 19.

(2) - الغزالي: تهافت الفلاسفة، تحقيق: سليمان دينا، دار المعارف، القاهرة، مصر، طبعة 1964 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت