وخلاصة القول، يتبين لنا، مما سبق ذكره، أن الجهة مفهوم منطقي وفلسفي ولساني وسيميائي وبلاغي مهم في تحليل الظواهر اللغوية، ودراسة القضايا المنطقية، وتفكيك الملفوظات السيميائية وتركيبها. ومن ثم، فالجهة هي آلية وتقنية إجرائية تطبيقية بامتياز، قادرة على استجلاء عمق النصوص الأدبية والسردية واللغوية والشعرية، بالتوقف عند مختلف تراكيبها التعبيرية في ضوء التأويل الجهي، مع الاستعانة بثلاث مقاربات متكاملة هي: المقاربة النظرية، والمقاربة التجريبية/ التطبيقية، والمقاربة الصورية.
ومن هنا، إذا كان الزمن النحوي هو الذي يحدد زمنية الفعل ويقسمها إلى ماض، وحاضر، وأمر، فإن الجهة هي التي تعنى بدلالات الحدث وصيروته الزمنية معجميا، كأن يدل الحدث عن التمام، والكمال، واللاتمام، والاستمرار، والتكرار، والعادة، والتدرج، والانتهاء، والشروع، والابتداء، والانتهاء، أو يدل على الأوضاع الساكنة والمتحركة، أو يدل على الحالات، والأنشطة، والإنجازات، والإتمامات.
ولم تقتصر الجهة على ماهو سيميائي ومنطقي ونحوي ولساني فحسب، بل تجاوزت الجهة هذا كله نحو ماهو بلاغي مع الباحث المغربي إسماعيل شكري الذي تبنى الشعرية المعرفية في دراسة الصور البلاغية. فقد حاول الباحث دراسة الصور والمحسنات والأوجه البلاغية دراسة جديدة وفق مقولة الجهة، على أساس أن البلاغة قائمة على التكرار والتشاكل والتوسع والتكثيف. وبالتالي، فثمة جهات متنوعة، كالجهة المطاطية، والجهة الدائرية، والجهة الخطية، والجهة المتشابكة، والجهة المتراكبة.
لكن ما يهمنا في دراسة الجهة أن نتمثل هذا المفهوم في مقاربة النصوص الأدبية والإبداعية والفنية، بالتوقف عند الأفعال والأسماء المشتقة لتبيان زمنيتها ودلالاتها المعجمية، والمنطقية، والسيميائية، والبلاغية، واللسانية.