كثيرا ما يلجأ الإمام مالك إلى الجمع بين الأدلة إذا تعارضت واختلفت، ما لم يتبين له سبب قوي يرجح به أحدها، فهو يحتاط للأدلة من أن يهملها بدون سبب مبرر، ولذلك صاغ العلماء قاعة في هذا الباب وهي: إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما، وفيما يأتي بعض النماذج التي جمع فيها مالك بين دليلين أو أكثر:
1 -حكم الطهارة من النجاسة:
اختلف الفقهاء في حكم الطهارة من النجاسة، فقال قوم إن إزالة النجاسات واجبة وبه قال أبو حنيفة والشافعي. وقال قوم: إزالتها سنة مؤكدة وليست بفرض، وقال قوم: هي فرض مع الذكر ساقطة مع النسيان، وكلا هذين القولين عن مالك وأصحابه [1] .
وسبب اختلافهم راجع إلى عدة اعتبارات أهمها تعارض الأدلة في ذلك فمنها: حديث صاحبي القبر المشهور الذي قال عنهما صلى الله عليه وسلم: {إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما: فكان لا يستتر من البول} [2] .
فظاهر هذا الحديث يقتضي الوجوب لأن العذاب لا يتعلق إلا بالواجب، وأما المعارض لذلك فما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام من أنه: رمي عليه وهو في الصلاة
(1) بداية المجتهد، 1/ 95 - 96.
(2) صحيح البخاري، كتاب: الوضوء، باب: ما جاء في غسل البول.