وفي التمييز بين الاحتياط والوسوسة نورد كلاما نفيسا لابن القيم نختم به هذا الشرط، يقول رحمه الله:"والفرق بين الاحتياط والوسوسة أن الاحتياط الاستقصاء والمبالغة في اتباع السنة وما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من غير غلو ومجاوزة ولا تقصير ولا تفريط، فهذا هو الاحتياط الذي يرضاه الله ورسوله. وأما الوسوسة فهي ابتداع ما لم تأت به السنة، ولم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من الصحابة زاعما أنه يصل بذلك إلى تحصيل المشروع وضبطه كمن يحتاط بزعمه ويغسل أعضاءه في الوضوء فوق الثلاثة، فيسرف في صب الماء في وضوئه وغسله، ويصرح بالتلفظ بنية الصلاة مرارا أو مرة واحدة، ويغسل ثيابه مما لا يتيقن نجاسته احتياطا، ويرغب عن الصلاة في نعله احتياطا إلى أضعاف هذا مما اتخذه الموسوسون دينا، وزعموا أنه احتياط، وقد كان الاحتياط باتباع هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان عليه أولى بهم، فإنه الاحتياط الذي من خرج عنه فقد فارق الاحتياط وعدل عن سواء الصراط. والاحتياط كل الاحتياط الخروج عن خلاف السنة، ولو خالفت أكثر أهل الأرض، بل كلهم" [1] .
وهو شرط هام في بابه خصوصا في عصرنا الحاضر الذي اتجهت فيه الأنظمة السياسية إلى توحيد شعوبها وأمتها، وذلك بجمع شملها في إطار وحدة المذهب بشكل رسمي
(1) الروح، لابن القيم، 249.