المسرح ولد في العراء بين الناس. نشأ حرا طليقا كالريح، ولكنه بعد ذلك أصبح خلف الجدران، سجين الجدار الأول والثاني والثالث والرابع ... أصبح فعله سحريا يعتمد على لعبة الخفاء والتجلي، وبهذا فقد دوره وفقد حقيقته ...
المسرح في أوروبا مؤسسة، ولأن رأس المال يمتلك هناك كل المؤسسات فقد أصبح المسرح أيضا بيد البورجوازية ... إنه قناة إعلامية- مثل كل القنوات الأخرى- وعليه فقد وجب أن يظل في حوزة المال وأرباب المال، أي أن يبقى مصنعا لعينة خاصة من الفكر والفن والاعتقاد الإيديولوجي." [1] "
ومن هنا، يدعو عبد الكريم برشيد إلى فضاءات شعبية مفتوحة، كالمداشر، والأسواق الثقافية، والمواسم، والأعياد، والمهرجانات السنوية. وفي هذا الصدد، يقول برشيد:"نسعى إلى تحويل المسرح من دكان ثابت وقار لبيع الإبداع الفني والفكري إلى أسواق ومواسم ومهرجانات سنوية، أسواق تكون قريبة الشبه بسوق عكاظ وسوق المربد حيث تصبح الثقافة شيئا داخلا في نسيج الحياة اليومية، وليست شيئا طارئا وغريبا كما هو الشأن الآن. [2] "
ومن جهة أخرى، يرى عبد الكريم برشيد أن المسرح العربي ظل لمدة طويلة، وما يزال، أسير الخشبة الإيطالية والجدران الأربعة التي خنقت الفرجة الدرامية، فحصرتها في إطار ضيق، وحيز محدود، لايسمحان بالحركة والتشخيص وحيوية اللقاء والاحتفال:"وإذا ما"
(1) - عبد الكريم برشيد: حدود الكائن والممكن في المسرح الاحتفالي لعبد الكريم برشيد، دار الثقافة، الدار البيضاء، الطبعة 1985 م، ص:95.
(2) - بحث مطبوع على الستانسيل قدمه الكاتب أثناء اللقاء الثاني للجنة الدائمة المسرح العربي بسوريا، دمشق، في 05/ 12/1979 م، تحت عنوان: (التصور المستقبلي لتعريب المسرح العربي) ، ص:31.