(عامل الحداثة: حينما نتأمل مفهوم الحداثة(la modernite) ، فإنه يتبادر إلى أذهاننا مجموعة من المفاهيم التصورية، مثل: الغرب، والعلمانية، والحضارة، والعلم، والثقافة، والتقنية ... ويعني هذا أن الحداثة هي لحظة تاريخية متنورة عاشتها أوروبا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين، من خلال الثورة على رجال الدين والإقطاع والجهل والخرافة والشعوذة، باستلهام الحضارتين اليونانية والرومانية، والاستهداء بالعقل والمنطق، واستثمار الطبيعة، والأخذ بالفلسفة التجريبية، والدفاع عن الإنسان وحرياته الخاصة والعامة، والدعوة إلى حقوق الإنسان الطبيعية والمكتسبة، وخلق المجتمعات المدنية، وتطوير الاقتصاد في ضوء الليبرالية الفردية، والانفتاح على الشعوب الأخرى، وتأسيس المختبرات العلمية، وتشجيع الاكتشافات الجغرافية والملاحة البحرية بحثا عن المواد الأولية ومصادر الثروة.
وعليه، تحيل كلمة الحداثة على الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والدولة الليبرالية، والملكية الفردية، وصعود البورجوازية، واستخدام العقل والعلم في فهم الطبيعة وتفسيرها، واستعمال المنهج العلمي في دراسة الوثائق، وتمثل الموضوعية في التعامل مع الظواهر المرصودة، وفصل الدين عن الدولة. وقد ترتب على هذه الحداثة أن تطورت أوروبا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، وأصبحت نموذجا للتمدن والرقي الحضاري والتطور التقني والصناعي والمعرفة الثقافية، ومهد الفلسفات النظرية والعملية، وأكثر من هذا، فقد سيطرت على العالم بفضل علمها وتقنيتها وقوتها العسكرية والمادية.