هذا، ويعرف محمد سبيلا مفهوم الحداثة بقوله:"فهو يعني في مقام أول تحقيبا زمنيا. أي إشارة إلى العصور الحديثة التالية للعصور الوسطى وللعصور القديمة حسب التصنيف الغربي الذي اتخذ اليوم طابعا كونيا."
وهو - في مقام ثان- يعني نواة فكرية أو رؤية للعالم تبلورت بعد انطلاق حركية الحداثة في أوربا الغربية (إيطاليا- فرنسا-ألمانيا-إنجلترا) منذ القرن الخامس عشر، والتي يؤرخ لها بالأحداث المفصلية في تاريخ أوربا: النهضة الفنية والأدبية والعلمية بإيطاليا التي كانت نواة النهضة الأوربية التي تطورت في القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلادي، والتي بلورت النزعة الإنسية (L'humanisme) الأوربية في مرحلة أولى، وبلغت ذروتها في حركة الأنوار (Les lumieres) في القرن الثامن عشر الميلادي كحركة فكرية قوامها العقلانية والتجريبية والإيمان بالحرية وبقانون التقدم. والأحداث المفصلية الكبرى للحداثة الأوربية بجانب حركة النهضة الفنية والأدبية والعلمية هي الإصلاح الديني الذي دشنته الحركة البروتستانتية في القرن السادس عشر في أوربا. الجوهر التحديثي للإصلاح الديني الذي نادى به مارتن لوثر، والذي انتشر أولا في البلدان الجرمانية والسكندينافية التي كانت قد تشكلت فيها كنائس دولة (Eglise d'Etat) قوية، هو تحويل الإيمان الديني إلى تجربة إيمان شخصي ذاتي تأملي (foi reflexire) تتحول فيها التجربة الدينية من سلطة خارجية آمرة إلى تجربة شخصية يحضر فيها بقوة جانب حرية الاختيار والقرار الذاتي مقابل سلطة التبشير وسلطة التقاليد والتراث الديني المؤسسي حيث لم يعد القربان (L'hostie) إلا عجينا، والرفات (Lesreliques) إلا عظاما. أما الحدث المفصلي النوعي الآخر فهو الثورة الفرنسية سنة 1789. ويتمثل جوهرها في قلب طبيعة السلطة السياسية من الاعتماد على الحق