فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 91

وتعقَّب ابن عدي كلام أبى داود هذا فقال: لا يؤثِّر ذلك فيه؛ لأنه من أهل الصدق [1] .

قال ابن حجر: ووجه عدم تأثيره فيه أنه لم يُعلِّم المجان كما قال أبو داود، وإنما علَّم المارة الذين كان قصد المجان أن يخجلوهم، وكأنه كان يذهب مذهب من يؤدِّب بالمال، فلهذا جوّز للمارة أن يأخذوا الدراهم تأديبًا للمجان حتى لا يعودوا لتخجيل الناس، مع احتمال أن يكونوا بعد ذلك أعادوا لهم دراهمهم، والله أعلم [2] .

المثال الثالث: ويُعدُّ من ذلك الباب ما نشأ من خلافٍ طويلٍ ومرير بين مدرسة الرأي ومدرسة الأثر حتى طعن بعضهم في بعض دون بينه شافية، حتى قال الإمام مالك وقد سُئل عن أهل العراق فقال: أنزلوهم عندكم بمنزلة أهل الكتاب لا تُصَدِّقُوهُم ولا تُكَذِّبُوهُم، وقولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلاهكم واحد [3] .

ولقد روى ابن عبد البر بسنده عن عبيد الله بن يحيى عن أبيه قال: كنتُ آتي ابن القاسم فيقول لي: من أين؟ فأقول: من عند ابن وهب فيقول: الله الله، اتق الله، فإن أكثر هذه الأحاديث ليس عليها العمل.

قال: ثم آتي ابن وهب فيقول: من أين؟ فأقول: من عند ابن القاسم فيقول: اتق الله، فإن أكثر هذه المسائل رأي [4] .

ولقد بلغ الخلاف بين أهل الرأي وأهل الحديث ذروته حتى قال الإمام أحمد بن حنبل: مازلنا نلعن أهل الرأي ويلعنوننا، حتى جاء الشافعي فمزج بيننا [5] .

وعندما سُئل أبو زرعة الرازي عن الحارث المحاسبي وكتبه قال: إياك وهذه الكتب، هذه كتب بدعٍ وضلالات، عليك بالأثر، فإنك تجد فيه ما يغنيك عن هذه الكتب [6] .

(1) الكامل في الضعفاء لابن عدي 1/ 179.

(2) هدى الساري صـ: 406.

(3) جامع بيان العلم وفضله صـ: 443، وسير أعلام النبلاء 8/ 68.

(4) جامع بيان العلم وفضله صـ: 445.

(5) ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك للقاضي عياض 1/ 91.

(6) تاريخ بغداد 8/ 215.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت