الشرعي، حتى لا يقعوا في الحسد المذموم، والغيرة الممقوتة، والتي تَجُرُّهم إلى النيل من أعراض إخوانهم، دون سببٍ شرعي يستلزم ذلك، نسأل الله السلامة والعافية من هذا الداء الخطير.
والجدير بالذكر: أن كلام الأقران بعضهم في بعض ليس مرضًا خاصًا بطائفةٍ معيَّنة، بل هو مرتبطٌ بالإنسان أينما كان، وحسبما كان تفكيره، بل إن المتأمِّل في حال المجتمعات الإنسانية عمومًا، وفي ساحة الدعوة الإسلامية خصوصا في مختلف فروع العلوم والمعارف ليدرك جيدا أن كثيرًا من الخلافات والخصومات والتصدُّعات في البناء الأخوي بين الدعاة مردُّه إلى الاختلافات المذهبية والعقدية والتحاسد الواقع بين الأقران، والذي يؤدِّي ببعضهم إلى الوقوع في الظلم، والنزاع، والشقاق، والفرقة، وتصيُّد الأخطاء، وإساءة الظن بالمخالف، مما يجعل ذلك السبب من أشد مُعَوِّقات الدعوة وأخطرها على الفرد والمجتمع.
ولقد وضع العلماء مجموعةً من القواعد يستلزم كل من يتعرض للجرح والتعديل الالتزام بها، فالواجب على طالب العلم: أن يصون نفسه عن الكلام في إخوانه، وأن يجاهد نفسه على إزالة ما يقع في قلبه من حسدٍ يَجُرُّ إلى معصية، وأن يحرص على ما يجمع القلوب، ويُوَحِّدُ الجهود، وأن يلتزم بهذه القاعدة:
أن يتعاون العاملون للإسلام جميعا على اختلاف اجتهاداتهم فيما اتفقوا عليه، وأن يعذر بعضهم بعضًا فيما اختلفوا فيه، حتى تسلم النفوس، وتطمئن القلوب، وتثمر الجهود.
ولقد رأيتُ العلماء يُحذِّرون من هذا الداء العضال، ولم أر من حاول جمع أسبابه لتحليلها واستخلاص النتائج المترتِّبة عليه، فاستعنتُ بالله تعالى على الكتابة في هذا الأمر، وطالعتُ لأجله المئات من كتب أهل العلم عامة، وكتب الجرح والتعديل والرجال خاصة، ويعلم الله - عز وجل - أن هذا البحث على صِغَرِ حجمه قد استغرق مني سنواتٍ طوال أُضيف إليه، وأحذف منه، وأُغيِّر فيه، وأُعيد ترتيبه حتى خرج بهذا الشكل، ومن أهم العقبات التي قابلتني: أني كنت متردِّدًا في نشره؛ لأنه يتعرَّض لهفوات بعض علمائنا الأجلاء الذين نحبُّهم ونحترمهم، ولكني استشرت أساتذتي ومشايخي وزملائي فأشاروا عليَّ بأنه لا مانع من نشره مع توضيح أن الهفوات تُذْكَرُ لتُعرف وتُجْتَنَبْ، مع ضرورة توفُّر القلوب على حب الصالحين والعلماء رغم وقوع الخطأ في بعض كلامهم، ومن ذا يسلم من الخطأ؟ وكل بني آدم خطَّاء.