فهؤلاء هم أئمة الحديث ينقدون الراوي ويُضعِّفُونه إذا كان أهلًا لذلك، لا تمنعهم من ذلك قرابة ولا صحبة، فلم يحابوا أبًا أو ابنًا، أو أخًا أو صديقًا، أو شيخًا أو قريبا.
قال ابن القيم: ومن له اطِّلاعٌ على سيرة أئمة الحديث الذين لهم لسان صدق في الأمة، وعلى أحوالهم، علم بأنهم من أعظم الناس صدقًا، وأمانة، وديانة، وأوفرهم عقلًا، وأشدُّهم تحفُّظًا، وتحرِّيًا للصدق، ومجانبةً للكذب، وأن أحدًا منهم لا يحابي في ذلك أباه ولا ابنه، ولا شيخه ولا صديقه، وأنهم حرَّروا الرواية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحريرًا لم يبلغه أحدٌ سواهم من الناقلين عن الأنبياء ولا عن غير الأنبياء [1] .
قال الذهبي: نحن لا ندَّعى العصمة في أئمة الجرح والتعديل، لكن هم أكثر الناس صوابًا، وأندرهم خطأً، وأشدُّهم إنصافًا، وأبعدهم عن التحامل، وإذا اتَّفقوا على تعديلٍ أو جرحٍ فتمسَّك به، واعضُض عليه بناجِذَيك، ولا تتجاوزه فتندم، ومن شذَّ منهم فلا عبرة به، فخلّ عنك العناء، وأعط القوس باريها، فوالله لولا الحُفَّاظ الأكابر: لخطبت الزنادقة على المنابر [2] .
ورغم هذا، فلكل جوادٍ كبوة، ولكل صارمٍ نبوة، ولكل عالمٍ هَفْوة، ولكل قاعدةٍ شواذ، ولذلك وقع من بعض العلماء هنات تدُلُّ على أنهم بشر يرضون ويغضبون، ويحبون ويكرهون، ويصيبون ويُخْطِئون، وتلك سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلًا.
قال الإمام الذهبي: مازال العلماء الأقران يتكلَّم بعضهم في بعض بحسب اجتهادهم، وكلُّ أحدٍ يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [3] .
وقال أيضًا: استفق ويحك، وسل ربك العافية، فكلام الأقران بعضهم في بعض أمرٌ عجيب، وقع فيه سادة، فرحم الله الجميع [4] .
(1) مختصر الصواعق المرسلة 2/ 358.
(2) سير أعلام النبلاء 11/ 82.
(3) ميزان الاعتدال 7/ 87.
(4) سير أعلام النبلاء 12/ 61.