وغالب أقوال أئمة الجرح والتعديل مقبولة، ما لم تظهر عليها قرينه تدل على خطأهم أو وهمهم، فإن كلامهم حينئذٍ لا يُقبل، وهذا لا يضرُّهم في شيء، وكفى بالمرء نبلًا أن تُعَدَّ معايبه، وكفى بالعالم شرفًا أن تُعَدَّ أخطاؤه.
ولذلك قال الذهبي في ترجمة يحيى بن معين: هو أحد أئمة هذا الشأن، وكلامه كثيرٌ إلى الغاية في الرجال، وغالبه صوابٌ وجيِّد، وقد ينفرد بالكلام في الرجل بعد الرجل فيلوح خطؤه في اجتهاده -إذا خالف الجمهور- فإنه بشرٌ من البشر وليس بمعصوم [1] .
قال ابن حبان: وفي الدنيا أحد بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعرى عن الخطأ؟ ولو جاز ترك حديث من أخطأ لجاز ترك حديث الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المحدثين، لأنهم لم يكونوا بمعصومين [2] .
وهذا يحيى بن سعيد القطان الذي قال عنه علي بن المديني: ما رأيتُ أحدًا أعلم بالرجال منه.
وقال أحمد بن حنبل: ما رأيتُ بعينَىَّ مثله [3] .
ومع ذلك يقول عنه الذهبي: كان يحيى بن سعيد مُتعنِّتًا في نقد ... الرجال [4] .
وقال ابن حجر: يحيى بن سعيد شديد التعنُّت في الرجال، لا سيَّما من كان من أقرانه [5] .
ولقد صدق الإمام أحمد حينما قال متعجِّبًا: ومن يعرى من الخطأ والتصحيف؟ [6] .
وقال السيوطي: أخطأ غيرُ واحدٍ من الأئمة بجرحهم لبعض الثقات بما لا يجرح [7] .
(1) الرواة الثقات صـ: 30.
(2) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان 1/ 85.
(3) سير أعلام النبلاء 9/ 177، وتهذيب التهذيب 9/ 235، 236.
(4) سير أعلام النبلاء 9/ 83.
(5) هدى الساري صـ: 445.
(6) سير أعلام النبلاء 9/ 181.
(7) تدريب الراوي 2/ 369.