فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 113

إن هذه الحادثة من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم العملية تكشف عن إنسانية الدعوة ووقوفها إلى جنب الإنسان المظلوم، واستنقاذ الحق، رغم أنّ الظالم كان من أعتى طواغيت قريش، ورغم العداوة التي كانت بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين أبي جهل، فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يعتذر من الرجل لما يعلم من أبي جهل، بل صحبه إلى دار أبي جهل، ووقف بكل جرأة وشجاعة، بل وتحدّ للظالم، يطالبه بحق المظلوم.

والموقف كما يكشف عن مواجهة الظلم والطغيان، فإنّه يكشف عن الاهتمام بالآخرين، ومشاركتهم همومهم والوقوف معهم لاستنقاذ حقوقهم الشخصية، ويبرز معانى المروءة والشهامة الأصيلة التي تدفع المرء لارتكاب المخاطر دفاعًا عن المظلومين ونصرة للمستضعفين.

ومن المواقف الأخلاقية العظيمة كذلك:

استبقاء الرسول صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب في يوم الهجرة ليؤدي ما عنده من أمانات وودائع للناس رغم خروجه مضطرًا مطاردًا، مع تآمر قريش عليه لقتله.

روى ابن هشام عن ابن إسحاق قوله:"ولم يعلم فيما بلغني بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد حين خرج ـ أي للهجرةـ إلا علي بن أبي طالب، وأبو بكر الصديق وآل أبي بكر."

أما علي فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني أخبره بخروجه وأمره أن يتخلف بعده بمكة حتى يؤدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده للناس.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده، لما يعلم من صدقه وأمانته صلى الله عليه وسلم" [1] ."

فهذا أنموذج فريد في الأمانة في أحلك الظروف، فها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم معرض للموت، وتحاك حوله مؤامرات وضيعة للنيل منه وقتله، وكان من قبل ذلك يعانى ويلات الاضطهاد على مدى ثلاثة عشر عامًا في مكة حتى هاجر أصحابه مخلفين وراءهم ديارهم وأموالهم، ورغم ذلك لم يفته أن

(1) سيرة ابن هشام (2/ 483) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت