-محبة المؤمنين لإسلام من هو في مثل شخصية عمر بن الخطاب ورجاحة عقله وحكمته، فهم يشفقون أن يكون مثل هذا الرجل العظيم في غياهب جهنم.
لو لم تكن تلك المشاعر الخالصة المجردة عن الأهواء الشخصية موجودة في داخل قلوب المؤمنين لخسرت الدعوة الكثير من الشخصيات العظيمة التي تحولت بعد ذلك من الكفر إلى الإيمان، ومن الشرك إلى التوحيد، ومن محاربة الدين إلى نصرته، فكان إسلامهم نصرًا للإسلام والمسلمين.
ولذلك نجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاءه الطفيل بن عمرو الدوسي بعد أن اجتهد في دعوة قومه دوس إلى الإسلام فأبطؤوا عليه، فقال: يا رسول الله إنه قد غلبني على دوس الزنا فادع الله عليهم، فلم يقره رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ذلك ولم يدع على دوس بل قال في شفقة ورحمة:"اللهم اهد دوسًا"ففضل الدعاء لهم بالهداية على الدعاء عليهم، ثم وجه الطفيل إلى الاستمرار في دعوتهم مع الرفق بهم قائلًا: ارجع إلى قومك فادعهم وارفق بهم، فلم يزل الطفيل بأرض دوس يدعوهم إلى الإسلام حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة [1] .
ونفس هذه المشاعر نقلناها في موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطائف مع ملك الجبال لما قال له:"إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا" [2] ."
وهناك مواقف عديدة يمكن إدراجها تحت هذا المعنى لنؤكد على هذا المبدأ العظيم الذي لا يستغني عنه داعية إلى الله، وتأمل في قول الله عز وجل مخاطبًا سيد الدعاة وإمام المرسلين:
"فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6) ". [الكهف/6]
أي فلعلك قاتل نفسك يا محمد ومهلكها حزنًا وأسفًا إثر تولي الكفار وإعراضهم عنك وعدم دخولهم في دين الإسلام والتوحيد [3] .
(1) سيرة ابن هشام (2/ 228) البداية والنهاية (3/ 100) ، عيون الأثر (1/ 291) ، الروض الأنف (1/ 181) .
(2) صحيح البخاري (3/ 1180) .
(3) انظر: تفسير القرطبي (10/ 353) .