وصلاته! كان يصلِّي، ثمَّ ينام قَدْر ما صلَّى، ثمَّ يصلِّي قَدْر ما نام، ثمَّ ينام قَدْر ما صلَّى، حتَّى يُصبح، ونَعَتَت له قراءته، فإذا هي تَنْعَت قراءة مُفسَّرةً حرفًا حرفًا. [رواه النسائي في سننه/1629]
وهذا الحديث يدل على أن تحسين القراءة وتجويدها من سنن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ومنها: ما ثبت من حديث موسى بن يزيد الكندي - رضي الله عنه - قال: كان ابن مسعود - رضي الله عنه - يقرئ رجلا، فقرأ الرجل: {* إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} [التوبة: 60] مرسلة، فقال ابن مسعود: ما هكذا أقرأنيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال الرجل: وكيف أقرأكها يا أبا عبد الرحمن؟ قال: أقرأنيها هكذا: {* إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} ومدَّها. ويدل هذا على أن ابن مسعود أنكر على الرجل قراءته كلمة (الفقراء) بالقصر [أورده الألباني في"السلسلة الصحيحة"5/ 279] ، وذلك لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقرأه إياها بالمد. وفي ذلك دلالة واضحة على وجوب تلاوة القرآن تلاوة صحيحة مجودة، موافقة لأحكام علم التجويد.
أما دليله من الإجماع: فقد انعقد إجماع الأمة من عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا على: وجوب قراءة القرآن وتلاوته بالكيفية التي قرأ بها النبي - صلى الله عليه وسلم - وأقرأ بها الصحابة، وتلقاها عنهم التابعون، وأئمة القراءة، وأهل الأداء، إلى يومنا هذا، ولم يشذ عن هذا الإجماع أحد. ولذلك، لا يجوز لأي قارئ أن يتلو القرآن بغير تجويد؛ حتى لا يشمله الوعيد الشديد لمن يخالف هدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، كما قال الله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115) } [النساء:115] .
يقول الإمام ابن الجزري في طيبة النشر:
والأخذ بالتجويد حتمٌ لازم ... من لم يجود القرآن آثم
لأنه به الإله أنزلا ... وهكذا منه إلينا وصلا
وهو أيضا حلية التلاوة ... وزينة الأداء والقراءة
فقد جعله ابن الجزري واجبًا شرعيًّا، يأثم الإنسان بتركه، وبه قال أكثر العلماء والفقهاء؛ وذلك لأن القرآن نزل مجوَّدًا، وقرأه الرسول على جبريل كذلك، وأقرأه الصحابة، فهو سنَّة نبويَّة.