الصفحة 41 من 88

أحمد، وروى أحمد أيضًا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: لما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة عام الفتح، قام خطيبًا في الناس فقال: (( يا أيها الناس ما كان من حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة، ولا حلف في الإسلام ) ) [1] .

وقال البغوي في"تفسيره" [2] : {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النِّسَاء: 33] قرأ أهل الكوفة: عقدت بلا ألف؛ أي: عقدت لهم أيمانكم، وقرأ الآخرون عاقدت أيمانكم، والمعاقدة: المحالفة والمعاهدة، والأيمان: جمع يمين من اليد والقسم، وذلك أنهم كانوا عند المحالفة يأخذ بعضهم بيَدِ بعض على الوفاء والتمسُّك بالعهد، ومحالفتهم: أن الرجل كان في الجاهلية يعاقد الرجل فيقول: دمي دمك، وثأري ثأرك، وحربي حربك، وسلمي سلمك، وترثني وأرِثُك، وتطلب بي وأطلب بك، وتعقل عنِّي وأعقل عنك، فيكون للحليف السدس من مال الحليف، وكان ذلك في ابتداء الإسلام، فذلك قوله - تعالى: {فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} [النِّسَاء: 33] ؛ أي: أعطوهم حظهم من الميراث، ثم نسخ ذلك بقوله - تعالى: {وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الأحزاب: 6] .

وقال إبراهيم ومجاهد: أراد: فآتوهم نصيبهم من النصر والرفد ولا ميراث لهم، وعلى هذا تكون الآية غير منسوخة لقوله - تعالى: {أَوْفُوا بِالعُقُودِ} [المائدة: 1] ، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خطبته يوم فتح مكة: (( لا تحدثون حلفًا في الإسلام، وما كان من حلف في الجاهلية، فتمسَّكوا به؛ فإنه لم يزده الإسلام إلا شدة ) ) [3] .

وقال ابن عباس - رضي الله عنهما: أنزلت هذه الآية في الذين آخى بينهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المهاجرين والأنصار حين قَدِموا المدينة، وكانوا يتوارثون بتلك المؤاخاة دون الرحم فلما نزلت {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} [النِّسَاء: 33] نسخت ثم قال: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النِّسَاء: 33] ، فآتوهم نصيبهم من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث فيوصى له.

وقال سعيد بن المسيب: كانوا يتوارثون بالتبنِّي، وهذه الآية فيه ثم نسخ.

ويفهم من تقديم البغوي للقول بأنهم كانوا يتوارَثون بالحلف ثم نسخ ذلك أنه يؤيده، وكذلك صنع الشيخ علي بن محمد بن إبراهيم البغدادي المعروف بالخازن في تفسيره، والفخر الرازي في

(1) أخرجه أحمد (2/ 15) .

(2) ج 1 ص 431 المطبوع بهامش"تفسير الخازن".

(3) أخرجه أحمد (2/ 215) بنحوه، وتقدم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت