قد تعاقدوا عليه قبل ذلك، وتقدَّم في حديث جبير بن مطعم وغيره من الصحابة: (( لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة ) ) [1] .
وهذا نصٌّ في الرد على مَن ذهب إلى التوارث بالحلف اليوم، كما هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه ورواية عن أحمد بن حنبل، والصحيح قول الجمهور ومالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه؛ ولهذا قال - تعالى: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ} [النِّسَاء: 33] ؛ أي: ورثة من قراباته من أبويه وأقربيه، وهم يرثونه دون سائر الناس؛ كما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( ألحِقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأَوْلى رجل ذكر ) ) [2] ؛ أي: اقسموا الميراث على أصحاب الفرائض الذين ذكرهم الله في آيتي الفرائض، فما بقي بعد ذلك فأعطوه للعصبة.
وقوله: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النِّسَاء: 33] ؛ أي: قبل نزول هذه الآية فآتوهم نصيبهم؛ أي: من الميراث، فأما حلف عقد بعد ذلك فلا تأثير له.
وقد قيل: إن هذه الآية نسخت الحلف في المستقبل، وحكم الحلف الماضي أيضًا فلا توارث به، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، حدثنا إدريس الأودي، أخبرني طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} [النِّسَاء: 33] ، قال: من النصرة والنصيحة والرفادة، ويوصي له وقد ذهب الميراث، ورواه ابن جرير عن أبي كريب عن أبي أسامة، وكذا روي عن مجاهد وأبي مالك نحو ذلك، وقال علي بن أبي طلحة، عن ... ابن عباس قوله: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النِّسَاء: 33] ، قال: كان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات وَرِثه الآخر فأنزل الله: {وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا} [الأحزَاب: 6] ، يقول: إلاَّ أن توصوا لهم بوصية فهي لهم جائزة من ثلث المال، وهذا هو المعروف، وهكذا نصَّ غيرُ واحد من السلف أنها منسوخة بقوله: {وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا} [الأحزَاب: 6] ، وقال سعيد بن جبير: فآتوهم نصيبهم؛ أي: من الميراث، قال: وعاقَد أبو بكر مولى له فورثه؛ رواه ابن جرير.
وقال الزهري عن ابن المسيب: نزلت هذه الآية في الذين كانوا يتبنَّون رجالًا غير أبنائهم يورثونهم، فأنزل الله فيهم فجعل لهم نصيبًا من الوصية؛ رواه ابن جرير، وقد اختار ابن جرير أن
(1) سبق تخريجه.
(2) أخرجه البخاري (6732) و (6735) و (6737) و (6746) ومسلم (1615) .