المراد بقوله: {فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} ؛ أي: من النصرة والنصيحة والمعونة، لا أن المراد فآتوهم نصيبهم من الميراث حتى تكون الآية منسوخة، ولا أن ذلك كان حكمًا ثم نسخ، بل إنما دلَّت الآية على الوفاء بالحلف المعقود على النصرة والنصيحة فقط، فهي مُحْكَمة لا منسوخة، وهذا الذي قاله فيه نظر؛ فإن من الحلف ما كان على المناصرة والمعاونة، ومنه ما كان على الإرث كما حكاه غير واحد من السلف، وكما قال ابن عباس: كان المهاجري يرث الأنصاري دون قراباته وذوي رحمه حتى نسخ ذلك، فكيف يقول: إن هذه الآية مُحْكَمة غير منسوخة؟! والله أعلم"انتهى كلام الحافظ ابن كثير."
وقال ابن كثير أيضًا [1] في تفسير قوله - تعالى: {وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ} [الأحزاب: 6] ؛"أي: القرابات أَوْلَى بالتوارث من المهاجرين والأنصار، وهذه ناسخة لما كان قبلها من التوارث بالحلف والمؤاخاة التي كانت بينهم، كما قال ابن عباس وغيره: كان المهاجريُّ يرث الأنصاريَّ دون قراباته وذوي رحمه؛ للأخوَّة التي آخى بينهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكذا قال سعيد بن جبير وغير واحد من السلف والخلف."
وقد أورد فيه ابن أبي حاتم حديثًا عن الزبير بن العوام - رضي الله عنه - قال: أنزل الله - عز وجل - فينا خاصَّة - معشرَ قريش والأنصار: {وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} [الأحزاب: 6] ، وذلك أنا معشر قريش لما قَدِمنا المدينة قَدِمنا ولا أموال لنا، فوجدنا الأنصار نِعْمَ الإخوان فواخيناهم ووارثناهم؛ فآخى أبو بكر - رضي الله عنه - خارجة بن زيد، وآخى عمر - رضي الله عنه - فلانًا، وآخى عثمان - رضي الله عنه - رجلًا من بني زريق بن سعد الزرقي - ويقول بعض الناس غيره - قال الزبير - رضي الله عنه: وواخيت أنا كعب بن مالك فجئته فابتعلته [2] ، فوجدت السلاح قد ثقله فيما يرى، فوالله يا بني لو مات يومئذٍ عن الدنيا ما ورثه غيري حتى أنزل الله - تعالى - هذه الآية فينا - معشرَ قريش والأنصار خاصَّة - فرجعنا إلى مواريثنا.
وقوله - تعالى: {إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا} [الأحزَاب: 6] ؛ أي: ذهب الميراث وبقي النصر والصلة والإحسان والوصية"."
وفي ص 178 يقول:"ولكنها كانت دنيا غلبت معاوية على نفسه، وكان دينًا غلب عليًّا على نفسه".
(1) ج 3 ص 468.
(2) أي: فجالستُه.