فيها من هذه البِدَع، وابتلوا بروافض عادوهم وقتلوا الشيخ حسنًا، وجرت فتن لا يحبها الله ولا رسوله.
وهذا الغلو في يزيد من الطرفين خلاف لما أجمع عليه أهل العلم بالإيمان، فإن يزيد بن معاوية وُلِد في خلافة عثمان بن عفان - رضي الله عنه - ولم يدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا كان من الصحابة باتِّفاق العلماء، ولا كان من المشهورين بالدين والصلاح، وكان من شبان المسلمين، ولا كافرًا ولا زنديقًا، وتولَّى بعد أبيه على كراهة من بعض المسلمين ورضًا من بعضهم، وكان فيه شجاعة وكرم، ولم يكن مظهرًا للفواحش - كما يحكي عنه خصومه.
وجرت في إمارته أمورٌ عظيمة؛ أحدها: مقتل الحسين - رضي الله عنه - وهو لم يأمر بقتل الحسين، ولا أظهر الفرح بقتله، ولا نكت بالقضيب على ثناياه - رضي الله عنه - ولا حمل رأس الحسين - رضي الله عنه - إلى الشام، لكن أمر بمنع الحسين - رضي الله عنه - وبدَفْعِه عن الأمر ولو كان بقتاله، فزاد النوَّاب على أمره وحضَّ الشمر بن ذي الجَوْشَن على قتله لعبيد الله بن زياد، فاعتدى عليه عبيدالله بن زياد فطلب منهم الحسين - رضي الله عنه: أن يجيء إلى يزيد، أو يذهب إلى الثغر مرابطًا، أو يعود إلى مكة، فمنعوه - رضي الله عنه - إلا أن يستأسر لهم، وأمر عمر بن سعد بقتاله، فقتلوه مظلومًا مع طائفة من أهل بيته - رضي الله عنه.
وكان قتله - رضي الله عنه - من المصائب العظيمة، فإن قتْل الحسين وقتْل عثمان قبله كانا من أعظم أسباب الفتن في هذه الأمة، وقتلتهما من شرار الخلق عند الله، ولما قَدِم أهله - رضي الله عنهم - على يزيد بن معاوية أكرمهم وسيَّرهم إلى المدينة، وروي عنه أنه لعن زيادًا على قتله.
وقال: كنت أرضى من طاعة أهل العراق بدون قتل الحسين، لكنه مع هذا لم يظهَر منه إنكار قتله، والانتصار له والأخذ بثأره، كان هذا الواجب عليه، فصار أهل الحق يلومونه على تركه للواجب مضافًا إلى أمور أخرى، وأما خصومه فيزيدون عليه من الفرية أشياء.
وأما الأمر الثاني، فإن أهل المدينة النبوية نقضوا بيعته، وأخرجوا نوَّابه وأهله، فبعث إليهم جيشًا وأمره إذا لم يطيعوه بعد ثلاث أن يدخلها بالسيف ويبيحها ثلاثًا؛ فصار عسكره في المدينة النبوية ثلاثًا يقتلون وينهبون ويغتصبون الفروج المحرمة، ثم أرسل جيشًا إلى مكة المشرفة فحاصروا مكة وتُوُفِّي يزيد وهم محاصِرون مكة، وهذا من العدوان الذي فُعِل بأمره.
ولهذا كان الذي عليه معتقد أهل السنة وأئمَّة الأمَّة أنه لا يُسَبُّ ولا يُحَبُّ، قال صالح بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: إن قومًا يقولون: إنهم يحبون يزيد، قال: يا بني، وهل يحب يزيد أحد يؤمن بالله واليوم الآخر؟! فقلت: يا أبت، فلماذا لا تلعنه؟ قال: يا بني، ومتى رأيت أباك يلعن أحدًا.