وروي عنه أنه قيل له: تكتب الحديث عن يزيد بن معاوية؟ فقال: لا، ولا كرامة، أَوَلَيْسَ هو الذي فعل بأهل المدينة ما فعل.
فيزيد عند علماء أئمَّة المسلمين ملِكٌ من الملوك، لا يحبونه محبةَ الصالحين وأولياء الله ولا يسبُّونه، فإنهم لا يبيحون لعنةَ المسلم المعيَّن؛ لما روى البخاري في"صحيحه"عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن رجلًا كان يدعى حمارًا وكان يكثِر شرب الخمر، وكان كلما أُتِي به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ضربه فقال رجلٌ: لعنه الله، ما أكثر ما يؤتى به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( لا تلعنه؛ فإنه يحب الله ورسوله ) ) [1] ، ومع هذا فطائفة من أهل السنة يجيزون لعنه؛ لأنهم يعتقدون أنه فعَل من الظلم ما يجوز لعنة فاعله، وطائفة أخرى ترى محبته؛ لأنه مسلم تولى على عهد الصحابة وبايَعه الصحابة، ويقولون: لم يصحَّ عنه ما نقل عنه، وكانت له محاسن ولم يصحَّ عنه ما نقل عنه أو كان مجتهدًا فيما فعله.
والصواب: هو ما عليه الأئمَّة من أنه لا يخصُّ بمحبَّة ولا يُلْعَن، ومع هذا فإن كان فاسقًا أو ظالمًا فالله يغفر للفاسق والظالم، لاسيما إذا أتى بحسنات عظيمة.
وقد روى البخاري في"صحيحه"عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( أوَّل جيش يغزو القسطنطينية مغفور له ) ) [2] ، وأوَّل جيش غزاها كان أميرهم يزيد بن معاوية، وكان معه أبو أيوب الأنصاري - رضي الله عنه - وقد يشتبه يزيد بن معاوية بعمه يزيد بن أبي سفيان، فإن يزيد بن أبي سفيان كان من الصحابة، وكان من خِيَار الصحابة، وهو خير آل حرب، وكان أحد أمراء الشام الذين بعثهم أبو بكر - رضي الله عنه - في فتوح الشام، ومشى أبو بكر في ركابه يوصيه مشيِّعًا له فقال له: يا خليفة رسول الله، إما أن تركب وإما أن أنزل، فقال: لستُ براكب ولستَ بنازل، إني أحتسب خطاي هذه في سبيل الله، فلمَّا تُوُفِّي بعد فتوح الشام في خلافة عمر ولّى عمر - رضي الله عنه - مكانه أخاه معاوية، ووُلِد له يزيد في خلافة عثمان - رضي الله عنه - وأقام معاوية بالشام إلى أن وقع ما وقع.
فالواجب الاقتصار في ذلك، والإعراض عن ذكر يزيد بن معاوية وامتحان المسلمين به؛ فإن هذا من البِدَع المخالفة لأهل السنة والجماعة، فإنه بسبب ذلك اعتقد قومٌ من الجُهَّال أن يزيد بن معاوية من الصحابة، وأنه من أكابر الصالحين وأئمة العدل، وهو خطأ بيِّن"."
(1) أخرجه البخاري (6777) و (6780) و (6781) .
(2) أخرجه البخاري (2924) ، وانظر:"الفتح" (6/ 120) .