الصفحة 60 من 88

ثم من جهله أن يروي مثل هذا عن عبدالله بن عمرو، وعبدالله بن عمرو من أبعد الناس عن ثلب الصحابة وأروى الناس لمناقبهم، وقوله في مدح معاوية ثابت عنه؛ حيث يقول: ما رأيت بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسود من معاوية، قيل له: ولا أبو بكر وعمر؟ فقال: كان أبو بكر وعمر خيرًا منه، وما رأيت بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسود من معاوية.

قال أحمد بن حنبل: السيد الحليم؛ يعني: معاوية، وكان معاوية كريمًا حليمًا، ثم إنَّ خُطَب النبي - صلى الله عليه وسلم - لم تكن واحدة، بل كان يخطب في الجُمَع والأعياد والحج وغير ذلك، ومعاوية وأبوه يشهدان الخطب كما يشهدها المسلمون كلهم، أفَتَراهما في كل خطبة كانا يقومان ويمكَّنان من ذلك؟

هذا قدْحٌ في النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي سائر المسلمين؛ إذ يمكنان اثنين دائمًا يقومان ولا يحضران الخطبة ولا الجمعة، وإن كانا يشهدان كل خطبة، فما بالهما يمتنعان عن سماع خطبة واحدة قبل أن يتكلَّم بها؟! ثم من المعلوم من سيرة معاوية أنه كان من أحلم الناس وأصبرهم على مَن يؤذيه، وأعظم الناس تأليفًا لِمَن يعاديه، فكيف ينفر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع أنه أعظم الخلق مرتبة في الدين والدنيا، وهو محتاج إليه في كل أموره، فكيف لا يصبر على سماع كلامه؟! وهو بعد الملك يسمع كلام مَن يشتمه في وجهه، فلماذا لم يسمع كلام النبي - صلى الله عليه وسلم؟! وكيف يتَّخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - كاتبًا مَن هو في هذه الحالة؟!

وقوله: إنه أخذ بيد ابنه يزيد، فمعاوية لم يكن له ابن اسمه يزيد، وأما ابنه يزيد الذي تولى الملك وجرى في خلافته ما جرى، فإنما وُلِد في خلافة عثمان باتِّفاق أهل العلم، ولم يكن لمعاوية ولد على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم.

قال الحافظ أبو الفضل بن ناصر: خطب معاوية - رضي الله عنه - في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يزوَّج؛ لأنه كان فقيرًا [1] ، وإنما تزوَّج في زمن عمر - رضي الله عنه - ووُلِد له يزيد في زمن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - سنة سبع وعشرين من الهجرة.

ثم نقول (ثالثًا) : هذا الحديث يمكن معارضته بمثله من جنسه مما يدل على فضل معاوية - رضي الله عنه"."

(1) يدل على ذلك الحديث: (( ... وأما معاوية فصعلوك لا مال له ) )؛ أخرجه مسلم (1480) (36) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت