فلمَّا اجتمع الناس على معاوية ركب إليه عبدالله بن الزبير في دم ابن هبار، وركب عبدالرحمن بن أزهر في مصعب بن عبدالرحمن، فاجتمعا عند معاوية بالشام، فدخل ابن الزبير على معاوية فقام ابن أزهر فرجَّ باب معاوية رجًّا شديدًا، وقال: وا عجبًا يا معاوية! أتخلو بابن الزبير في دمائنا؟! فأذِن له معاوية فدخل فقال: إني والله ما خلوت بابن الزبير في دمائكم، ولكن خلوت به أسأله عن أموال أهل الحجاز، فقال: ثم تكلَّما في دم ابن هبار، قال معاوية لابن الزبير: تسمون قاتل صاحبكم ثم تحلفون خمسين يمينًا ثم نسلمه إليكم، فقال ابن الزبير: لا لعمر الله لا نحلف عليه؛ إلا أنه قد عرف أنه كان معهم وأنه قد وجد قتيلًا في مكانهم الذي اجتمعوا فيه، فقال معاوية لابن أزهر: فتحلفون خمسين يمينًا بالله أن ما ادَّعوا على صاحبكم من قِبَل هذا الرجل لباطل ثم تبرؤون فقال: لا والله ما كنا لنحلف عليه وما لنا بذلك من علم، فقال معاوية: فوالله ما أدري ما أصنع؟
أما أنت يا ابن الزبير، فلا تحلف على هؤلاء النفر الذين اتهمتهم فتستحق دمك، وأما أنت يا ابن أزهر فلا تحلف على براءة صاحبك فتبرئه؛ فوالله ما أجد إلا أن أرد هذه الأَيْمان الخمسين على هؤلاء الثلاثة الذين اتهمهم ثم يرونه، قال: فردَّها عليهم أثلاثًا، فكان معاوية أول مَن رد الأيمان ولم يكن قبل ذلك، كان إذا نقص من الخمسين رجل واحدٌ رُدَّت على الآخرين، فإذا نقص رجل واحد وضع الدية وعقل القتيل، قال مالك بن أنس: أوَّل مَن اتخذ قاضيًا معاويةُ بن أبي سفيان، كان الخلفاء قبل ذلك يباشرون كل شيء من أمور الناس بأنفسهم" [1] ."
والمراد أنهم يباشرون القضاء بأنفسهم في حاضرتهم لا فيما بعُد عنهم؛ لأن استقضاء عمر لشريح على الكوفة أشهر عند علمائهم من كل شهرة وحجة، وقد ولَّى عمر أيضًا كعب بن سور اللقيطي القضاء، فلم يزل قاضيًا حتى قُتِل عمر - رضي الله عنه.
وفي كتاب"سراج الملوك"؛ للطرطوشي ص 144 - 145 بعنوان: (حلم معاوية وجوده) :"ولما وفد عقيل بن أبي طالب على معاوية أمر له بمائة ألف درهم، فلمَّا أراد الانصراف رأى في الطريق جارية بأربعين ألف درهم فرجع إلى معاوية فأخبره، قال: وما تصنع بها؟ قال: تلد لي غلامًا فإن أغضبتَني يضرب مِفْرَقَك بالسيف، فأمر له بها فابتاعها فولدت له مسلم بن عقيل، ثم قدم مسلم الشام فابتاع منه معاوية ضيعة، فبلغ الحسين بن علي الخبر، فكتب إلى معاوية: إني لا أجيز بيع مسلم، فأرسل معاوية إلى مسلم فقال: هذا كتاب الحسين يأمر بردِّ المال فقال مسلم:"
(1) من كتاب"أخبار القضاة": ج 1 ص 111.