ثم يروي قصة إيفاد المغيرة عشرين رجلًا من أهل الكوفة على معاوية، واقتراحهم عليه مبايعة يزيد بولاية العهد، ثم يقول ص 249:"وكان المغيرة قد اشترى هؤلاء الناس بدراهم، وكان ذلك أسلوب العصر أو أسلوب معاوية على الأصح، ومعاوية يعرفه ويوعز به ويغري عليه، فهو لهذا قال لموسى بن المغيرة - وكان على رأس هؤلاء العشرة: بكم اشترى أبوك من هؤلاء دينهم؟ فقال موسى: بثلاثين ألفًا، فقال معاوية: لقد هان عليهم دينهم."
غير أن معاوية زاد إيمانه بالبيعة ليزيد، وفتح له المغيرة السبيل وعرفه بالذي كان، وأن الذِّمَم تُباع وأن العهود تُشْتَرى، ومعاوية يملك من المال الكثير مما يقوى به على شراء الذِّمَم والعهود"."
ونورِد هنا في ختام كتابنا بعض أقوال الصحابة والسلف الصالح في معاوية، ونسرد بعضًا من أخباره وطرفه مما يظهر حلمه وكرمه وعدله - رضي الله عنه:
روى ابن عساكر عن أبي زرعة الرازي أنه قال له رجل: إني أبغض معاوية فقال له: ولِمَ؟ قال: لأنه قاتل عليًّا، فقال له أبو زرعة: ويحك إن رب معاوية رحيم، وخصم معاوية خصم كريم، فأيش دخولك أنت بينهما - رضي الله عنهما؟!
وقال الأوزاعي: سُئِل الحسن عمَّا جرى بين علي وعثمان فقال: كان لهذا سابقة ولهذا سابقة، ولهذا قرابة ولهذا قرابة، فابتُلِي هذا وعُوفِي هذا.
وسُئِل عمَّا جرى بين علي ومعاوية فقال: كانت لهذا قرابة ولهذا قرابة، ولهذا سابقة ولم يكن لهذا سابقة، فابتُلِيَا جميعًا.
وقال الحارث الأعور: قال علي بعدما رجع من صفين: أيها الناس لا تكرهوا إمارة معاوية؛ فإنكم لو فقدتموه لرأيتم الرؤوس تندر عن كواهلها كأنها الحنظل [1] .
ودخل الأحنف بن قيس على معاوية بن أبي سفيان فأشار له إلى الوساد فقال له: اجلس، فجلس على الأرض فقال له معاوية: وما منعك يا أحنف من الجلوس على الوِسَاد؟ فقال: يا أمير المؤمنين إن فيما أَوْصى به قيس بن عاصم المنقري ولدَه أن قال: لا تغشى السلطان حتى لا يملَّك، ولا تقطعه حتى ينساك، ولا تجلس له على فراش ولا وِسَاد، واجعل بينك وبينه مجلس رجل أو رجلين؛ فإنه عسى أن يأتي مَن هو أَوْلى بذلك المجلس منك فتُقَام له؛ فيكون قيامك زيادة له ونقصًا عليك، حسبي بهذا المجلس يا أمير المؤمنين لعلَّه أن يأتي مَن هو أولى بذلك المجلس مِنِّي، فقال معاوية: لقد أُوتِيَتْ تميم الحكمة مع رقة حواشي الكلام وأنشأ يقول:
يَا أَيُّهَا السَّائِلُ عَمَّا مَضَى = وَعِلْمِ هَذَا الزَّمَنِ العَائِبِ
(1) "البداية والنهاية": جـ 8، ص 130 - 131.