إِنْ كُنْتَ تَبْغِي العِلْمَ أَوْ أَهْلَهُ = أَوْ شَاهِدًا يُخْبِرُ عَنْ غَائِبِ
فَاعْتَبِرِ الأَرْضَ بِسُكَّانِهَا = وَاعْتَبِرِ الصَّاحِبَ بِالصَّاحِبِ [1]
وقال عبدالملك بن مروان يومًا وذكر معاوية فقال: ما رأيت مثله في حلمه واحتماله وكرمه.
وقال قبيصة بن جابر: ما رأيت أحدًا أعظم حلمًا، ولا أكثر سؤدُدًا، ولا أبعد أناة، ولا ألين مزحًا، ولا أرحب باعًا بالمعروف - من معاوية.
وقال بعضهم: أسمعَ رجلٌ معاويةَ كلامًا سيئًا شديدًا فقيل له: لو سطوت عليه؟ فقال: إني لأستحي من الله أن يضيق حلمي عن ذنب أحدٍ من رعيتي.
وفي رواية قال له رجل: يا أمير المؤمنين، ما أحلمك! فقال: إني لأستحي أن يكون جُرْم أحد أعظمَ من حلمي.
وقال الأصمعي عن الثوري: قال معاوية: إني لأستحي أن يكون ذنبٌ أعظم من عفوي، أو جهل أكبر من حلمي، أو تكون عورة لا أواريها بستري.
وقال الشعبي والأصمعي عن أبيه قالا: جرى بين رجل يقال له أبو الجهم وبين معاوية كلامٌ، فتكلم أبو الجهم بكلام فيه غمز لمعاوية، فأطرق معاوية ثم رفع رأسه فقال: يا أبا الجهم: إياك والسلطانَ؛ فإنه يغضب غضب الصبيان، ويأخذ أخذ الأسد، وإن قليله يغلب كثير الناس، ثم أمر معاوية لأبي الجهم بمال، فقال أبو الجهم في ذلك يمدح معاوية:
نَمِيلُ عَلَى جَوَانِبِهِ كَأَنَّا = نَمِيلُ إِذَا نَمِيلُ عَلَى أَبِينَا
نُقَلِّبُهُ لِنُخْبِرَ حَالَتَيْهِ = فَنُخْبِرَ مِنْهُمَا كَرَمًا وَلِينَا
وقال الأعمش: طاف الحسن بن علي مع معاوية، فكان معاوية يمشي بين يديه فقال الحسن: ما أشبه أليتيه بأليتي هند! فالتفت إليه معاوية فقال: أما إن ذلك كان يعجب أبا سفيان.
وقال ابن أخته عبدالرحمن ابن أم الحكم لمعاوية: إن فلانًا يشتمني، فقال له: طأطئ فتمر فتجاوزك.
وقال ابن الأعرابي: قال رجلٌ لمعاوية: ما رأيت أنذل منك، فقال معاوية: بلى، مَن واجه الرجال بمثل هذا.
وقال أبو عمرو بن العلاء: قال معاوية: ما يسرني بذل الكرم حمر النَّعم، وقال: ما يسرني بذُلِّ الحلم عزُّ النصر، وقال بعضهم: قال معاوية: يا بني أمية فارِقوا قريشًا بالحلم؛ فوالله كنت ألقى
(1) "البيان والتبيين"؛ للجاحظ، ج 1، ص 77.