الرجل في الجاهلية فيوسعني شتمًا وأوسعه حلمًا، فأرجع وهو لي صديق؛ إن استنجدته أنجدني، وأثور به فيثور معي، وما وضع الحلم من شريف شرفه، ولا زاده إلا كرمًا.
وقال: آفة الحلم الذل، وقال: لا يبلغ الرجل مبلغ الرأي حتى يغلب حلمه جهلَه وصبره شهوته، ولا يبلغ الرجل ذلك إلا بقوة الحلم.
وقال رجل لمعاوية: مَن أسودَ الناس؟ فقال: أسخاهم نفسًا حين يسأل، وأحسنهم في المجالس خلقًا، وأحلمهم حين يستجهل.
وقال أبو عبيدة مَعْمَر بن المثنى: كان معاوية يتمثَّل بهذه الأبيات كثيرًا:
فَمَا قَتَلَ السَّفَاهَةَ مِثْلُ حِلْمٍ = يَعُودُ بِهِ عَلَى الجَهْلِ الحَلِيمُ
فَلاَ تَسْفَهْ وَإِنْ مُلِّئْتَ غَيْظًا = عَلَى أَحَدٍ فَإِنَّ الفُحْشَ لُومُ
وَلاَ تَقْطَعْ أَخًا لَكَ عِنْدَ ذَنْبٍ = فَإِنَّ الذَّنْبَ يَغْفِرُهُ الكَرِيمُ
وعن ابن عباس أنه قال: قد علمت بِمَ غلب معاويةُ الناسَ؟ كان إذا طاروا وقع، وإذا وقعوا طار.
وقال غيره: كتب معاوية إلى نائبه زياد: إنه لا ينبغي أن نسوس الناس سياسة واحدة، لا باللين فيمرحوا ولا بالشدة فيحمل الناس على المهالك، ولكن كن أنت للشدة والغلاظة والغلظة، وأنا للين والإلفة والرحمة، حتى إذا خاف خائف وجد بابًا يدخل منه [1] .
وقال سعيد بن عبدالعزيز: لما قتل عثمان لم يكن للناس غازية تغزو، حتى كان عام الجماعة فأغزى معاوية أرض الروم ست عشرة غزوة، تذهب سرية في الصيف ويشتوا بأرض الروم، ثم تقفل وتعقبها أخرى.
وكان في جملة من أغزى ابنه يزيد ومعه خلق من الصحابة، فجاز بهم الخليج وقاتلوا أهل القسطنطينية على بابها، ثم قفل بهم راجعًا إلى الشام، وكان آخر ما أوصى به معاوية أن قال: شدَّ خناق الروم [2] .
لما مرض معاوية مرضَه الذي مات فيه، دخل عليه بعض بني هاشم ليعوده، فلمَّا استأذن عليه قام وجلس وأظهر القوة والتجلُّد، وأذن للهاشمي فدخل عليه، ثم قال متمثِّلًا بقول أبي ذؤيب الهذلي من قصيدةٍ رثى بها أولادًا له ماتوا بالطاعون:
وَتَجَلُّدِي لِلشَّامِتِينَ أُرِيهِمُ = أَنِّي لِرَيْبِ الدَّهْرِ لاَ أَتَضَعْضَعُ
(1) "البداية والنهاية": جـ 8، ص 135 - 136.
(2) "البداية والنهاية": جـ 8، ص 133.