فأجابه الهاشمي على الفَوْر من القصيدة المذكورة بعينها:
وَإِذَا المَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفَارَهَا = أَلْفَيْتَ كُلَّ تَمِيمَةٍ لاَ تَنْفَعُ [1]
وقال معاوية لعقيل: إن عليًّا قطعك ووصلتك، ولا يرضيني منك إلا أن تلعنه على المنبر، قال: أفعل، فصعد المنبر وحمِد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن أمير المؤمنين أمرني أن ألعن عليًّا فالعنوه، عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ثم نزل، فقال له معاوية: إنك لم تبين مَن المراد مِنَّا، قال: والله لا زدت حرفًا، والكلام راجع إلى نية المتكلم [2] .
حكى صاحب"العقد الفريد"قال: قَدِم عقيل بن أبي طالب على معاوية، فأكرمه وقرَّبه وقضى عنه دينه، ثم قال له في بعض الأيام: يا عقيل: أنا خير لك من أخيك علي، قال: صدقت: أخي آثر دينه على دنياه، وأنت آثرت دنياك على دينك، فأنت خيرٌ لي من أخي، وأخي خير لنفسه منك لنفسك.
ودخل عقيل أيضًا على معاوية وقد كُفَّ بصره فأقعده على سرير معه، ثم قال له: أنتم - معاشر بني هاشم - تُصَابُون في أبصاركم، فقال عقيل: وأنتم - معاشر بني أمية - تصابون في بصائركم.
ودخل عليه يومًا فقال معاوية لأصحابه: هذا عقيل عمُّه أبو لهب، فقال عقيل: وهذا معاوية عمته حمالة الحطب، ثم قال: يا معاوية، إذا دخلت النار فاعدِل ذات اليسار؛ فإنك ستجد عمِّي أبا لهب مفتَرِشًا عمتك حمالة الحطب، فانظر أيهما خيرًا: الفاعل أم المفعول به؟
وقال له يومًا: ما أبْيَنَ الشبقَ في رجالكم يا بني هاشم، قال: لكنه في نسائكم أبين يا بني أمية [3] .
وقال الجاحظ: اجتمعتْ يومًا بنو هاشم عند معاوية، فأقبل عليهم فقال: يا بني هاشم، والله إن خيري إليكم لممنوح، وإن بابي لكم لمفتوح، وقد نظرت في أمركم فرأيت أمرًا مختلفًا، إنكم ترَون أنكم أحق مِنِّي مما في يدي، فإذا أعطيتكم عطية فيها قضاء حقوقكم قلتم: أعطانا دون حقِّنا، وقصر بنا عن قدرنا، هذا مع إنصاف قائلكم، وإسعاف سائلكم، فأقبل عليه عبدالله بن عباس - رضي الله عنهما - وكان جريئًا عليه فقال: والله ما منحتنا شيئًا حتى سألناه، ولا فتحت لنا بابًا حتى قرعناه، وأما هذا المال، فما لك منه إلا ما لرجل واحد من المسلمين، ولولا
(1) ذكره محمد بن إبراهيم الأحدب، انظر: هامش"المستطرف": جـ 2، ص 279.
(2) "ثمرات الأوراق"بهامش"المستطرف": جـ 1، ص 138 - 139.
(3) "ثمرات الأوراق": جـ 1، ص 134، بهامش"المستطرف".