الصفحة 85 من 88

حقنا في هذا المال لم يأتِكَ مِنَّا أثر تحمله خفٌّ ولا حافر، وأما حربنا إياك بصِفِّين فعلى تركك الحق وادِّعائك الباطل، أكَفَاك أم أزِيدُك؟ قال: كفاني [1] .

عن ابن سيرين قال: كان ابن الزبير أصلبَ أولاد المهاجرين وأصرمهم، فدخل مع معاوية البيت الحرام وكان للحسين حاجة، فأبى معاوية أن يقضيها، فأخذ ابن الزبير بيَدِ معاوية فغمزها، فقال: خلِّني، فقال: لا والله تقضي حاجة حسين أو لأكسِرَنَّ يدك، قال: فقضاها، فقال له ابن الزبير: يا أمير المؤمنين، أكنت تراني كاسرًا يدَك؟ قال: ما كنت آمنك على ذلك [2] .

وحكى صاحب"العقد"قال: بينما معاوية جالس وعنده وجوه الناس، إذ دخل رجلٌ من أهل الشام فقام خطيبًا وقال: لعن الله معاوية، فأطرق الناس وفيهم الأحنف، فقال الأحنف: يا أمير المؤمنين، إن هذا القائل إن عَلِم أن رضاك في لعْن المرسلين لعنهم؛ فاتقِ الله ودعْ عنك عليًّا، فقد لقي ربه، وأُفْرِد بقبره، وخلا بعمله، وكان والله مبرورًا في سبْقه، طاهر الثوب، ميمون النقيبة، عظيم المصيبة، فقال له معاوية: يا أحنف، لقد أغضيت العين على القذى، أما والله لتصعدنَّ على المنبر وتلعن عليًّا طوعًا أو كرهًا، فقال: إن تعفني خيرٌ لك، وإن تجبرني على ذلك فوالله لا تجدني شقيًّا به أبدًا، قال: وما أنت قائل يا أحنف قال: أحمدُ الله وأصلي على نبيه، ثم أقول: إن أمير المؤمنين أمرني أن ألعن عليًّا، ومعاوية وعلي اقتتلا واختلفا وادَّعى كلُّ واحد منهما أنه مبغيٌّ عليه، فإذا دعوت فأمِّنوا رَحِمَكم الله، اللهم العَنْ أنت وملائكتك وأنبياؤك وجميع خلقك الباغي منهما على صاحبه، والعن الفئة الباغية، أمِّنوا رحمكم الله، يا معاوية لا أزيد على ذلك ولا أنقص، ولو كان فيه ذهاب نفسي، فقال معاوية: إذًا أعفيتك [3] .قال معاوية يومًا بحضرة عقيل بن أبي طالب: هذا أبو يزيد، لولا علمه بأني خيرٌ له من أخيه لما أقام عندنا وتركه، فقال عقيل: أخي خيرٌ لي في ديني، وأنت خير لي في دنياي، وقد آثرت دنياي، وأسأل الله خاتمة خير.

ولما التحق عقيل بمعاوية بالغ في إكرامه إرغامًا لعلي، فلما قتل علي واستقلَّ معاوية بالأمر ثَقُل عليه أمر عقيل، فكان يسمعه ما يكره لينصرف عنه، فبينما هو يومًا في مجلسٍ حفَل بأعيان الناس من الشاميين إذ قال معاوية: أتعرفون أبا لهب الذي أنزل الله في حقه: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [المسد: 1] ، فقال أهل الشام: لا، فقال معاوية: هو عمُّ هذا، وأشار إلى عقيل،

(1) "ثمرات الأوراق": جـ 1، ص 135، بهامش"المستطرف".

(2) "أخبار القضاة": جـ 2، ص 49.

(3) "ثمرات الأوراق"بهامش"المستطرف": جـ 1 ص 138.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت